تقنية الدوار الملّيمتري لاستئصال الجلطات الدموية الصلبة بأمان
21 أكتوبر 2026

تُعد التجلطات الدموية التي تسد الشرايين أو الأوردة المسبب الرئيسي لمجموعة من أشد الحالات الطبية الطارئة والمهددة للحياة، وتشمل هذه الحالات: السكتة الدماغية الإقفارية (Acute ischemic stroke)، واحتشاء عضلة القلب (Myocardial infarction)، والانسداد الرئوي (Pulmonary embolism)، وأمراض الأوعية الدموية المحيطية، بالإضافة إلى تجلط الأوردة العميقة (Deep vein thrombosis).

وللتعامل مع هذه الانسدادات الخطيرة، يعتمد التدخل الطبي الحديث بشكل أساسي على تقنيةٍ طفيفةِ التوغل تُعرف بالاستئصال الميكانيكي للجلطات (Mechanical thrombectomy). في هذه التقنية، تُحقن  قسطرة دقيقة عبر الأوعية الدموية للوصول إلى موقع الانسداد، ثم تُستخدم أجهزة لإدخال قسطرة دقيقة عبر الأوعية الدموية للوصول إلى موقع الانسداد، ثم تُستخدم أجهزة متخصصة لفتح المجرى الدموي، إما عن طريق الشفط المباشر للجلطة (Aspiration)، أو عبر سحبها باستخدام دعامات شبكية (Stent retrievers)، أو حتى باستخدام آليات لتقطيع الجلطة في بعض الحالات المرتبطة بتصلب الشرايين.

لفهم آليات العلاج، يجب النظر أولًا إلى البنية المجهرية للجلطة؛ فهي تتكون أساسًا من شبكة معقدة من ألياف بروتين الفيبرين (Fibrin network) التي تعمل كفخ طبيعي يحتجز بداخله خلايا الدم الحمراء. وعلى الرغم من الفعالية السريرية التي أثبتتها تقنيات استئصال الجلطات التقليدية في العديد من الحالات، فإن خصائص البنية المجهرية للجلطات تفرض تحديات كبرى تجعل استخراج الجلطة في حالات معينة أمرًا بالغ الصعوبة.

السؤال: كيف يمكن استخراج الجلطات بأمان دون تعريض المريض لخطر التفتت والانسداد الطرفي؟

على الرغم من التطور المستمر في أدوات استئصال الجلطات الميكانيكي، فإن هذه الطرق تفشل في تحقيق الإزالة الكاملة للجلطات واستعادة التدفق الدموي السليم لدى 10% إلى 30% من المرضى. وتتفاقم نسب الفشل بشكل ملحوظ عند التعامل مع الجلطات الكبيرة، وتحديدًا الجلطات الغنية بألياف الفيبرين (Fibrin-rich clots) والتي تتميز بصلابة ميكانيكية عالية تجعلها قاسية ومقاومة للشفط أو السحب.

وتكمن الإشكالية الجوهرية في الآلية التي تعتمد عليها الأجهزة الحالية؛ فهي تتعامل مع الجلطة إما بقوة السحب المباشر أو التقطيع. هذا النهج العنيف ميكانيكيًّا يؤدي في أحيان كثيرة إلى تمزق الجلطة الصلبة وتفتتها أثناء محاولة إخراجها، مما يمثل خطرًا طبيًّا كبيرًا، إذ قد تنفصل أجزاء صغيرة منها وتنتقل مع تيار الدم لتسد أوعية دموية طرفية أبعد وأصغر حجمًا (Distal emboli)، مما يخلق انسدادات جديدة يصعب الوصول إليها. في حالات السكتة الدماغية الإقفارية على وجه الخصوص، يؤدي هذا الانسداد الطرفي إلى فشل إعادة التروية الدموية بالكامل (Incomplete recanalization)، مما يضاعف من نسب العجز الحركي والإدراكي للمريض، ويزيد من معدلات الوفاة. من هنا، تبلور التساؤل البحثي المُلح: كيف يمكننا تطوير آلية لاستخراج الجلطات بفعالية وأمان؟

المنهجية: تسخير ديناميكا الموائع لتغيير بنية الجلطة بأمان

للتغلب على هذه التحديات، ابتكر الباحثون أداة دقيقة أطلقوا عليها اسم الدوار الملّيمتري (Milli-spinner). استند تصميم الأداة إلى محاكاة ديناميكا الموائع الحسابية (Computational fluid dynamics) لفهم وتوجيه حركة السوائل داخل الأوعية الدموية. صُمم الدوار بشكل أسطواني، مزود بزعانف وشقوق جانبية لإنشاء تيار دوار يولد ضغطًا سلبيًّا موضعيًّا وقوى شفط تجبر السائل على الدخول من المقدمة والخروج من الجوانب. يسمح هذا التصميم بتطبيق قوى فيزيائية مستمرة على الجلطة تتمثل في قوى الضغط (Compression forces) وقوى القص (Shear forces).

وبدلاً من الاعتماد على تقطيع الجلطة أو تمزيقها، تستخدم التقنية هذه القوى الميكانيكية لتغيير البنية المجهرية للجلطة؛ حيث تُعصر شبكة الفيبرين البوليمرية لتنضغط وتتشابك أليافها بقوة ومن ثم يتقلص حجمها بينما تُطرد خلايا الدم الحمراء لتسبح سليمة دون أن تتعرض للتحلل. أخذ الباحثون في الحسبان الخواص الفيزيائية للجلطات، فصنعوا نماذج بصلابة متدرجة تتراوح نسبة خلايا الدم الحمراء فيها بين 30% و80%، وجربوا الأداة في سوائل ذات مستويات لزوجة متباينة تحاكي الحالات المرضية لضمان شمولية الاختبار. بالإضافة إلى ذلك، صُنعت الأداة باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد من مادة الراتنج (Resin) مدمجة بمواد كيميائية غير منفذة للأشعة (Radio-opaque) وهو ما يسمح بتتبع مسارها بدقة داخل الجسم. هذا وقد جرى تقييم الأداة معمليًّا في نماذج شرايين بشرية، ثم حيويًّا (In vivo) داخل شرايين كلوية وفكية لخنازير باستخدام التصوير الفلوري (Fluoroscopy).

نتائج واعدة: فتح الشرايين بنجاح فائق دون تفتت الجلطة

أظهرت النتائج قدرة عالية للدوار الملّيمتري على تغيير البنية المجهرية للجلطة مباشرة، في عملية تشبه عصر قطعة من  القطن المبلل. أسفرت هذه الآلية عن تقليص حجم الجلطة بشدة وحولتها إلى كتلة صغيرة يسهل سحبها دون تفتت.

وفي التجارب الحية، تفوقت الأداة بوضوح على طرق الشفط المباشر. حققت الأداة معدلات نجاح استثنائية في استعادة التدفق الدموي من المحاولة الأولى (First-pass effect) لإزالة الجلطات القاسية. كما نجحت الأداة في إنقاذ جميع الحالات التي فشلت فيها الطرق التقليدية تمامًا مع الحفاظ على سلامة جدار الوعاء الدموي وعدم انتقال أي شظايا عبر الأوعية الدموية الطرفية.

ماذا بعد؟

يُقدم هذا البحث مقاربة ميكانيكية مبتكرة تعيد تعريف كيفية التعامل مع الانسدادات الوعائية. فبدلاً من طرق الانتزاع والتقطيع المحفوفة بمخاطر التفتت، أثبتت التقنية أن تعديل البنية المجهرية للجلطة يمثل حلاً أكثر أمانًا وفعالية. تفتح هذه المنهجية آفاقًا لتطوير جيل جديد من أدوات الاستئصال بأحجام مختلفة لتناسب مختلف الأوعية الدموية. تمتد التطبيقات المستقبلية من السكتات الدماغية إلى الانسداد الرئوي واحتشاء عضلة القلب. تبشر هذه التقنية بتقديم رعاية صحية تقلل من احتمالات الإعاقة والوفاة المرتبطة بفشل العمليات التقليديّة.

على الهامش

شبكة الفيبرين (Fibrin network): خيوط بروتينية طبيعية تترابط لتصنع ما يشبه مصيدة تحتجز خلايا الدم الحمراء بداخلها لتكوين الجلطة. وتتميز الجلطات الغنية بالفيبرين بصلابة شديدة تجعل إزالتها أمرًا بالغ الصعوبة.

تأثير المحاولة الأولى (First-pass effect): نجاح الطبيب في استخراج الجلطة بالكامل وفتح المجرى الدموي من المرة الأولى لإدخال الأداة الطبية. يُعد هذا الإنجاز معيارًا ذهبيًّا يقلل وقت العملية ويحسن فرص تعافي المريض.

الانسداد الطرفي (Distal emboli): ظاهرة خطيرة تحدث عند تمزق الجلطة الأساسية، لتنتقل شظاياها مع تيار الدم وتسد أوعية دموية أبعد وأضيق. يخلق هذا التفتت انسدادات جديدة يصعب الوصول إليها وعلاجها.

اقتراح ومراجعة علمية
د/ أحمد بركات
جامعة ميونيخ التقنية، وكلية الهندسة بجامعة عين شمس
تدقيق ومراجعة لغوية
د/ مصطفى الغريب
Sorbonne Paris Nord جامعة
د/ أحمد بركات
جامعة ميونيخ التقنية، وكلية الهندسة بجامعة عين شمس
علا نصر زيادة
جامعة القاهرة