كيف ولِمَ ننشئ مجتمعًا علميًّا عربيًّا؟
4 أكتوبر 2026

لطالما اعتدنا أن ننظر إلى العلم بوصفه «نصًّا» مكتوبًا: كتابًا، أو ورقةً محكَّمة، أو دوريةً تجمع أحدث النتائج - أي ما يُحفظ في الصفحات وقواعد البيانات. غير أن ما يغيب عن الكثير هو أن العلم لا يستقر في المنتج النهائي وحده، وإنما يتشكل قبل ذلك: في طرائق إنتاجه، وفي معايير التحقق منه، وفي الأدوات التي تجعل الظواهر قابلةً للقياس والمراجعة، إضافة إلى نهج تفكير القائمين عليه، فالعلماء يتبعون مدارس فكرية مختلفة.

فالنص العلمي، على أهميته، عابرٌ بطبيعته: تُدقَّق فروضه، وتُراجَع نتائجه، ويُستبدل بعضه بآخر أشد صرامةً أو أدق وصفًا للواقع. أمّا العلم بالمعنى الأعمق، فهو «سلسلة» من الممارسات المتراكمة: تقنياتٌ تُطوَّر، وأجهزةٌ تُهندَس، ومفاهيمُ تُصاغ ثم تُنقَّح، وخبراتٌ تنتقل من جيلٍ إلى جيل. ولهذا قد تكشف قراءة أبحاثٍ صدرت قبل قرن أخطاءً لا تصلح للتدريس اليوم، ومع ذلك تظل تلك الأعمال خطوةً في مسارٍ طويل صنع ما نعرفه الآن.

واللافت أن «خرائط» صناعة العلم أكثر ثباتًا من كثيرٍ من نتائجه: تتبدل النظريات والمدارس والموضوعات، بينما تبقى مدنٌ أمثال بوسطن ولندن وميونيخ، بل ومؤسسات بعينها أمثال هارفارد وأكسفورد وهايدلبرج، لعقودٍ طويلة، نقاطًا تتكاثف فيها المعرفة والابتكار. هذا النمط لم يمرّ على الباحثين مرور الكرام؛ إذ تشير دراسات «تسرّب المعرفة» إلى أن تدفق الخبرة العملية والابتكار يميل إلى التمركز مكانيًا، وأن القرب يرفع كثافة التفاعل والتعاون العلمي أكثر مما توحي به حركة النصوص وحدها، كما تشرح أدبيات العناقيد البحثية كيف تُغذي الشبكات المحلية التعلمَ المتبادل وتوليد الأفكار (1).

وإذا كان للمشهد هذا الثبات، فسِرُّه يكمن في «الاجتماع» الذي تعيشه المؤسسة العلمية يومًا بعد يوم: جماعةٌ تتشارك لغةً وإجراءات وأفكار، وتتدرب على معايير الدقة، وتبني الثقة عبر النقاش وإعادة التجربة والتحكيم والنقد. هنا تُصاغ الحدود الفاصلة بين الادعاء والمعرفة، وبين الإشارة والبرهان، وبين القياس والضجيج. وقديمًا قيل إن العلم هو الاصطلاح؛ فاصطلح القوم أي اتفقوا. فإذا كان العلم مبنيًا على مفاهيم وإجراءات لا تقوم إلا على هذا الاتفاق، فإن الاجتماع، بما فيه من مؤسسات وأعراف وأدوات، هو مركز صناعة العلم نفسه.

‍

مؤسسات العلم قديمًا وحديثًا 

منذ وقت مبكر أدركت مراكز الحضارة العربية أن العلم لا يتقدم بالعبقرية الفردية وحدها، وإنما يحتاج إلى بيئةٍ تُنظّم اللقاء اليومي بين أهل الاختصاص، وتحوّل المعرفة إلى تدريبٍ ومعايير وأدوات. في بغداد، ارتبطت نهضة الترجمة والرياضيات ببيئاتٍ جامعة مثل بيت الحكمة (القرن الثامن الميلادي)، حيث عمل الخوارزمي ضمن شبكةٍ من العلماء والنسّاخ والمترجمين. وفي الطبّ والترجمة ترك حنين بن إسحاق أثرًا مؤسسيًا واضحًا بترجماته الطبية اليونانية إلى العربية، إضافة إلى بواكير الهندسة في كتاب الحِيَل لبني موسى، الذي قدّم وصفًا منهجيًا لعشرات الآلات والوسائط الميكانيكية (2). ثم في القاهرة اتخذ الاجتماع العلمي صورةً أكثر انتظامًا مع دار العلم/دار الحكمة (القرن الحادي عشر)، حيث عُقدت محاضرات في طيفٍ واسع من التخصصات، ومنها الطب والفلك، وازدهرت في ظل هذا الوسط أعمال فلكيين كبار مثل ابن يونس. وفي القرن الثالث عشر قدّم مرصد مراغة مثالًا مكثفًا للعلم بوصفه مشروعًا جماعيًّا طويل النفس: جداول رصدٍ تُعدّ على مدار سنوات، وأدوات رياضية تُصاغ داخل الجماعة العلمية نفسها، وتؤثر لاحقًا في تقاليد فلكية أوسع (3).

وعلى الضفة الأخرى، مع عصر التنوير والدول الحديثة، صار «اجتماع العلماء» أكثر رسمية عبر الأكاديميات والجمعيات: اجتماعٌ له ذاكرةٌ وسجلاتٌ ومجلاتٌ ومعايير انتخاب واعتراف. هكذا بدأت الجمعية الملكية في لندن اجتماعاتها منذ سنة 1660، وتولّى نيوتن رئاستها لاحقًا (4)، وفي باريس تأسست أكاديمية العلوم سنة 1666 وعقدت جلستها الأولى في مكتبة الملك (5)، بينما تمتد سلالة «الأكاديمية» في ألمانيا مع ليوبولدينا منذ سنة 1652 وصولًا إلى وضعها الأكاديمي الوطني الحديث (6)، وفي الولايات المتحدة ظهرت الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم بميثاقٍ تشريعي سنة 1780، وعضويةٍ مبكرة ضمت رموزًا من مؤسسي الدولة (7). الخيط الناظم هنا واحد: حين يصبح الاجتماع منتظمًا ومستمرًا، يصبح العلم قابلًا للتراكم، وتصبح «المؤسسة» أداة إنتاجه الأساسية.

فالأمم تقوم على أنظمة اجتماعية متماسكة تجمع الأفراد ذوي الخبرات المختلفة والمتكاملة لتحقيق هدف مشترك. وذلك يسري على العلم كما ينطبق على أي منظومة أخرى، فاجتماع العلماء يصنع فارقًا مَهْما تباين نبوغهم أو حرصهم الفردي. ومع زيادة تعقيد العالم من حولنا نظرًا لتسارع التطور التكنولوجي، والتغيرات البيئية، والديموغرافية، والجيوسياسية، أصبح اجتماع العلماء من مجالات متباينة أهم لإيجاد حلول شاملة متكاملة تساعد الأفراد والمجتمعات على التأقلم في عالم سريع التغير. 

أما في عالمنا العربي، فهناك لا شك جمعيات في كل دولة ولكن تظل الجهود محدودة والأثر يكاد لا يذكر في كثير من الأحيان. في هذا الإطار قد تكون فكرة توحيد العلماء العرب، بقطع النظر عن موطن نشأتهم أو إقامتهم، قابلة لإعادة إحياء ما غفلنا عنه طوال قرون مضت. فإن كان عصرنا الحالي ما يزال متأثرًا بما بعد الإمبريالية بما فيها من تذبذب الأوضاع، وضعف التمويل الموجه للتعليم والبحث العلمي، وهجرة العقول. فالعقول قلما تجد لها حدودًا تقف عندها. والعقل العربي قادر على تجاوز ذلك خاصة في مثل عالمنا الحديث الذي ينعم بسبل التواصل الرقمية المختلفة، والسر كله يكمن في عنصر «اجتماع العلم» كما قدمنا. 

تجربتي مع المنتدى العربي العلمي

على صعيد آخر وأكثر حداثة، ست سنوات أو أكثر مضت على نشأة «المنتدى العربي العلمي». كانت البداية من مجموعة من الباحثين في العلوم الطبيعية (وخاصة علوم الحياة) يدرسون أو يعملون في جامعات مرموقة حول العالم، وقد جمعتهم فكرة استغلال أوقات الركود وقت انتشار وباء كورونا، في تقريب العلوم إلى الناس. ولكنهم اتخذوا طريقًا مختلفًا، فبدلًا من شعبنة العلم popular science والتي يقوم بها آخرون من الصحفيين العلميين، كان السؤال: لمَ لا نبدأ من الأبحاث العلمية نفسها؟ فننقل إلى الناس صورة مبسطة  ولكن قريبة من مستجدات العلم وآخر ما تُوصل إليه.

تطورت الأمور خلال السنوات الماضية حتى نُظمت ٣ مؤتمرات سنوية ابتداءً في علوم الحياة. وصارت مسألة «اجتماع العلماء» حول طاولة واحدة تمس لب القضية، فانتقلنا من ترجمة المقالات إلى الحلم بإنشاء نظير للجمعية الملكية البريطانية أو لليوبولدينا الألمانية. فصرنا نتحدث عن منتدى للعلماء لا عن صحيفة علمية فحسب. ولكن الصحافة العلمية تركت أثرًا مهمًا، ألا وهو «أثر اللغة في جعل هذا الاجتماع ممكنًا». فاللغة الواحدة تحمل ثقافة مقاربة، وبدلًا من أن نتحدث عن جمعية مصرية أو سورية أو تونسية كنظائرها من الجمعيات البريطانية والألمانية والفرنسية، صرنا نتحدث عن منتدى عربي يقوم على وَحدة اللغة، وما أفصحها من لغة، باعتبارها البنية الأصيلة لقيام هذا المجتمع المأمول.

وفي نهاية العام السابق، عام الاحتفال بمرور مائة عام على علوم الكم (٢٠٢٥)، شرفت بتنظيم المؤتمر الأول لساف في العلوم الفيزيائية بدعم من منظمة اليونسكو، في محاولة جادة لتوعية الشباب الناشئ بأهمية هذا المجال في تمكين تكنولوجيا المستقبل، لعله يحثهم على الدراسة، والبحث، والتطوير فيه لضمان ريادة المنطقة العربية فيه مستقبلاً. و نأمل أن يشاركنا صناع القرار بالمنطقة نظرة مشتركة لأهمية هذا المجال وضرورة الاستثمار فيه لتحفيز البحث العلمي والتطوير التكنولوجي بالمنطقة العربية.

في الختام، إن كان هناك درس نتعلمه من تاريخ العلم فهو أن الاجتماع في العلم ضرورة رئيسة لتأسيس مجتمع علمي عربي. لذا أدعو كل مهتم بالعلوم وتوحيد الجهود تحت مظلة واحدة تجمع العلماء بهدف بناء مجتمع عربي قوي وقادر على المنافسة عالميًّا أن يقوم بالتسجيل للعضوية بالمنتدى العربي العلمي من خلال هذا الرابط: 

https://forms.gle/L9XzEypBMymKacyL7 

الرابط مرفق أعلى المقال أيضًا

لعلكم تجدون في رؤية وعمل المنتدى شغفًا تشاركونا إياه! 

‍

المراجع
  1. Balsmeier, B., Lück, S., & Fleming, L. (2025). Science knowledge localizes. Research Policy, 54(10), Article 105333.
  2. Zeidan, A. (2025, March 25). Bayt al-Hikmah. Encyclopaedia Britannica.
  3. Saliba, G. (1991). The astronomical tradition of Maragha: A historical survey and prospects for future research. Arabic Sciences and Philosophy, 1(1), 67–99.
  4. The Royal Society. (n.d.). History of the Royal Society. 
  5. Académie des Sciences. (n.d.). History of the Academy. 
  6. German National Academy of Sciences Leopoldina. (n.d.). History of the Leopoldina. 
  7. American Academy of Arts and Sciences. (n.d.). The history of the Academy. Retrieved August 22, 2026.
اقتراح ومراجعة علمية
د/ أحمد بركات
جامعة ميونيخ التقنية، وكلية الهندسة بجامعة عين شمس
د/ دعاء مجاهد
جامعة هارفارد
تدقيق ومراجعة لغوية
د/ أحمد بركات
جامعة ميونيخ التقنية، وكلية الهندسة بجامعة عين شمس
د/ أروى أحمد أبو جبل
جامعة أوكسفورد Oxford
علا نصر زيادة
جامعة القاهرة