لماذا نتجاهل الخرف، العبء الخفي في مجتمعاتنا؟
2 أكتوبر 2026


الشيخوخة هي مرحلة طبيعية من الحياة تحمل معها الحكمة والخبرة، وهي ليست مرضًا في حد ذاتها. لكن يوجد خلط شائع بين علامات التقدم  الطبيعي في العمر والعلامات المبكرة للخرف، وهو الخلط الذي له آثار اجتماعية مؤثرة. فالخرف هو حالة تنتج عن أمراض وإصابات مختلفة تؤثر في الدماغ [1]، منها مرض ألزهايمر، وهو الأكثر شيوعًا، وهذا ما يحول التقدم في العمر من فترة هدوء واستقرار إلى تجربة صعبة تتسم بتدهور الذاكرة وفقدان الاستقلالية. في الحقيقة، يرى الكثير من الناس أن الخرف مجرد نسيان طبيعي يصاحب التقدم في العمر، مما يؤخر الحصول على التشخيص الطبي لسنوات في بعض الأحيان [2].

‍
أرقام صادمة خلف العبء الخفي

توضح جمعية ألزهايمر أن ألزهايمر يُعد من أكثر أسباب الخرف انتشارًا، حيث يؤثر في  خلايا الدماغ [3]، مما يؤدي إلى تدهور القدرات الإدراكية بشكل يؤثر على الحياة اليومية. وهو ليس جزءًا حتميًا من الشيخوخة، وعلى الرغم من أن الإصابة به أكثر شيوعًا بعد سن 65 عامًا، فإن حالات ألزهايمر المبكرة تؤثر على الأفراد دون هذا السن [4]، مما يجعل الكشف المبكر مهمًا جدًا للحصول على التشخيص والرعاية المناسبين.
تتوقع تقديرات منظمة الصحة العالمية أن يرتفع عدد الأشخاص المصابين بالخرف في جميع أنحاء العالم من 55.2 مليون في 2019 إلى 139 مليون في 2050 [5]. وفي منطقتنا العربية، يتزايد هذا العبء مع زيادة متوسط العمر المتوقع [6].  


وفي حين تظهر حالة جديدة للخرف كل 3 ثوانٍ على مستوى العالم، تشير التقديرات الوبائية في مصر إلى أن حالات ألزهايمر بين المصريين تبلغ حاليًّا نحو 400 ألف حالة، مع توقعات بارتفاع هذا العدد ليصل إلى مليون مريض بحلول عام 2030 [7]. وهكذا نجد أنفسنا أمام عبء خفي يستنزف موارد الرعاية الصحية، والاجتماعية، ويهدد العلاقات الأسرية، بينما تتعامل السياسات الصحية والاجتماعية مع المرض باهتمام لا يتناسب مع حجم المشكلة. وعلى الرغم من الاهتمام المتزايد، فإن رعاية المرضى تعتمد إلى حد كبير على الأسر ومقدمي الرعاية غير الرسميين، في ظل محدودية خدمات الدعم المتاحة؛ بينما الرعاية المؤسسية المتبقية تقع على عاتق الجمعيات الأهلية والقطاع الخاص، في ظل قلة المراكز الحكومية المتخصصة مقارنة بالاحتياجات الفعلية.

‍

عندما يتحول النسيان إلى خطورة

‍
وتبدأ إشكالية التعامل مع الخرف من صعوبة التمييز بين علاماته المبكرة والتغيرات الطبيعية المصاحبة للتقدم في العمر. فحتى ندرك وجوده مبكرًا، علينا التمييز بين السهو العادي والعلامات التحذيرية المتفق عليها ومنها، النسيان المعطل للحياة؛ كأن تنسى شخصًا التقيته قريبًا وهو ما لا يعني مجرد نسيان اسمه وتذكره لاحقًا. كذلك تراجع القدرة على حل المشكلات، مثل العجز التام في إدارة الفواتير الشهرية المعتادة، هنا كذلك لا يكون مجرد التعثر في إعدادات هاتف حديث علامة خطيرة. إضافة إلى ذلك، فإن التيه عن الطريق إلى منزل الطفولة الذي سكنته لعقود تمثل نذير خطر، وكذلك التحولات الشخصية حيث يتحول الشخص الهادئ فجأة إلى شخص عدواني، أو المنفتح إلى منطوٍ وخائف، فضلًا عن فقدان المهارات التلقائية كنسيان قواعد لعبة مارستها طوال حياتك [8]. 

‍

مقدمو الرعاية هم الجانب الخفي من المعاناة

‍
لكن أثر الخرف لا يتوقف عند المريض؛ فمع تراجع استقلاليته ينتقل جزء متزايد من العبء إلى أسرته ومقدمي الرعاية. ووراء كل إحصائية قصة إنسانية غير مسموعة، كابنة تترك عملها وحياتها لتعتني بأحد والديها. مقدمو الرعاية يعيشون في عزلة اجتماعية، واستنزاف مالي، وإرهاق نفسي شديد[4]، بينما يتعامل المجتمع مع رعايتهم لذويهم كواجب عائلي يؤدى في صمت. 


وتجسد مدونة جمعية ألزهايمر الأمريكية هذا العبء في قصة ابنة تروي تجربتها مع أمها. فقبل سنوات، حين كانت الأم ما تزال تعيش في منزلها الذي أقامت فيه عشرين عامًا، توقفت ذات مرة في غرفة المعيشة وقالت: «هذا ليس منزلي». وبعد انتقالها لاحقًا إلى دار للرعاية، سألت إحدى صديقاتها الابنة إن كانوا يأخذون الأم أحيانًا إلى منزلها، فكانت الإجابة المؤلمة: لا. فالمنزل الذي احتفظ بمقتنياتها وذكرياتها لم يعد يعني لها ما كان يعنيه من قبل، كما أصبحت رعايتها الجسدية والتعامل مع نوبات غضبها واحتياجاتها اليومية عبئًا يصعب على الأسرة تحمله في المنزل. وتصف الابنة شعورها بالذنب تجاه بقائها في دار الرعاية، لكنها ترى في الوقت نفسه أن وجود أمها هناك يسمح للأسرة بأن تترك الرعاية الجسدية للعاملين المختصين، وأن تحتفظ علاقتها بها بما تبقى من الحب والرفقة [11].

‍

هذا هو القرار الصعب الذي يواجهه الملايين، هل يضحون بصحتهم النفسية والمالية لإبقاء أحبائهم في البيوت، أم يختارون الأكثر إيلامًا، أي نقلهم إلى دور الرعاية حتى نهاية أعمارهم، مع ما قد يصاحب ذلك من  شعور بالذنب؟ يحدث هذا في ظل غياب شبه كامل لبرامج الدعم النفسي، والمالي، والاجتماعي، التي تحمي مقدمي الرعاية من كابوس الإنهاك. وهكذا لا تكمن الأزمة في تزايد أعداد المصابين وحده، بل أيضًا في تأخر التعرف على المرض، والوصمة المحيطة به، والعبء الذي تتحمله الأسر، ومحدودية خدمات الدعم والرعاية.

‍

المستقبل ورسم خارطة طريق لمواجهة هذه الأزمة

‍
إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب العمل على عدة محاور، يبدأ أولها بكسر وصمة العار التي يشعر بها الأقارب والتوقف عن إخفاء المرضى، والتعامل مع ألزهايمر كحالة طبية تستدعي الدعم وليس الخجل [2]. فقد تحاول بعض الأسر في بعض الأوساط إخفاء إصابة ذويهم بالمرض لتجنب نظرة المجتمع أو الخوف من ضياع المريض في الشارع. ولا يكفي تغيير نظرة الأسرة وحدها، بل ينبغي أيضًا بناء مجتمعات صديقة للخرف عن طريق تدريب الكوادر الطبية والمحلية، وتصميم مساحات آمنة تضمن كرامة المريض وحريته [6]. وفي هذا الاتجاه، بدأت وزارة الصحة التوسع في عيادات كبار السن ودعم الصحة النفسية والمسنين، إلى جانب إطلاق مبادرات تشخيصية للكشف المبكر [9].

ويمتد الدعم المطلوب إلى مقدمي الرعاية أنفسهم، من خلال الدعم المؤسسي والتشريعات التي توفر لهم الدعم المالي والنفسي. أقر المشرع، في مصر، قانون حقوق كبار السن، والذي يمنح حماية اجتماعية، ومزايا تفضيلية للمسنين [10]، لكن آليات التنفيذ الخاصة برعاية ألزهايمر تحديدًا ما تزال بحاجة إلى التطوير [12]. ويرتبط بذلك العبء الاقتصادي للرعاية؛ إذ يجب العمل على تخفيف تكاليف الأدوية والتأهيل والرعاية التخصصية التي قد تستنزف الأسر متوسطة ومحدودة الدخل [6]. 

أما على المدى الأبعد، فإن زيادة الاستثمار في البحث العلمي في مجال الخرف لم يعد أمرًا ثانويًا [5]. ويمكن أن يشمل ذلك تخصيص نسبة ثابتة من الميزانيات الصحية لأبحاث ألزهايمر، فكل يوم نتأخر فيه يكلفنا أرواحًا تضيع في متاهات النسيان.

في نهاية المطاف، لا تُقاس حضارة أي مجتمع بناطحات السحاب ولا بالثروات المكدسة، بل بكيفية رعايته لفئاته الأكثر ضعفًا. فالذين يتوهون اليوم في أزقة الذاكرة هم من شيّدوا حاضرنا وأورثونا هويتنا، غير أن الخرف يتسلل إلى ذاكرتهم، ويفقدهم ما اكتسبوه على امتداد العمر. ومهمتنا الوطنية والإنسانية أن نحمي ذاكرتهم وكرامتهم حتى آخر الطريق.

المراجع

‍

  1. Williams T(2024). Dementia: Understanding, Diagnosis, and Management. Journal of Brain Disorders & Therapy, 11(4), 1–2. https://doi.org/10.35248/2376-0389.24.11.04.001-002
  2. World Health Organization. (2023). Dementia [Fact sheet]. World Health Organization. https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/dementia
  3. Alzheimer’s Association. (n.d.). What is Alzheimer’s disease? (https://www.alz.org/alzheimers-dementia/what-is-alzheimers)
  4. Alzheimer's Association. (2024). 2024 Alzheimer's disease facts and figures. Alzheimer's & Dementia, 20(4), 2308–2400. https://doi.org/10.1002/alz.13809
  5. World Health Organization. (2021). Global status report on the public health response to dementia. World Health Organization. https://www.who.int/publications/i/item/9789240033245
  6. Alzheimer's Disease International. (2022). World Alzheimer report 2022: Life after diagnosis: Navigating treatment, care and support. 
  7. تصريحات وإحصائيات أ.د. طارق عكاشة، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس ورئيس الجمعية المصرية للأعصاب وجمعية ألزهايمر مصر، المنشورة عبر الموقع الرسمي لجامعة عين شمس.https://www.asu.edu.eg/ar/743/news/400000-alzheimers-patients-in-egypt-new-case-every-3-seconds-globally
  8. Alzheimer's Association. (2023). 10 early signs and symptoms of Alzheimer's. https://www.alz.org/alzheimers-dementia/10_signs
  9. وزارة الصحة والسكان المصرية. (2023). دليل خدمات الصحة النفسية ومبادرة دعم صحة كبار السن. وزارة الصحة والسكان، القاهرة، مصر.
  10. جمهورية مصر العربية. (2024). القانون رقم 19 لسنة 2024 بإصدار قانون رعاية حقوق المسنين. الجريدة الرسمية، 4 أبريل 2024.
  11. Green, M. (2019, December 12). You can’t go home again: The story of a daughter and caregiver. Alzheimer’s Association. ⁠https://www.alz.org/blog/2019/you-can-t-go-home-again-the-story-of-a-daughter-and-caregiver
  12.  Bokhari, S. A., Khater, M. S., & Qassem, T. (2025). Geriatric psychiatry and dementia services in Egypt: Current evidence, challenges and future directions. Middle East Current Psychiatry, 32, Article 98. https://doi.org/10.1186/s43045-025-00595-x
اقتراح ومراجعة علمية
د/ أحمد بركات
جامعة ميونيخ التقنية، وكلية الهندسة بجامعة عين شمس
د/ أروى أحمد أبو جبل
جامعة أوكسفورد Oxford
تدقيق ومراجعة لغوية
د/ نعمة فوزي
جامعة حلوان بالقاهرة
د/ أحمد بركات
جامعة ميونيخ التقنية، وكلية الهندسة بجامعة عين شمس
علا نصر زيادة
جامعة القاهرة