الخرف في الوطن العربي: بين التطبيع والتشخيص المبكر
11 سبتمبر 2026

وفقًا لأحدث الإحصائيات، يُقدَّر عدد سكان العالم العربي اليوم بنحو 470-490 مليون نسمة، يتمركزون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالإضافة إلى حوالي 30-50 مليون عربي موزعين حول العالم. وترتكز الثقافة العربية إلى حدٍ كبير على الروحانية، والتقاليد، والروابط الأسرية، والانتماء المجتمعي. وفي هذه الثقافة، غالبًا ما يتم التقليل من شأن بعض الأعراض المرضية، واعتبار الأمراض أنها جزء من قدر المرء أو من التقدم في العمر، ولا يُستثنى من ذلك الخرف.

في عيادة عامة في الوطن العربي، قد تبدأ محادثة عادية بالسؤال: "مرحبًا أيها الطبيب، أرغب في أن تفحصني. أشعر بالقلق حول ذاكرتي مؤخرًا ولا أستطيع تذكر أسماء الناس"، ليكون رد الطبيب: "لا داعي للقلق. هذا طبيعي، فأنا أنسى أسماء الناس أيضًا. مشاكل الذاكرة لا تُنقِص من حِكمتك، إنها جزء من الشيب والتقدم في العمر".

وبقول ذلك، فإن جعل فقدان الذاكرة أمرًا طبيعيًّا وجزءًا مُتأصلاً من عملية الشيخوخة يقلل من إمكانية اكتشاف المرض مُبكرًا، ومن ثم الاستفادة من التدخلات الوقائية وتحسين صحة الدماغ. وعلى مستوى الصحة العامة، فإنه يُقلل أيضًا من شأن أزمة وشيكة في الشرق الأوسط، حيث يُتوقع أن يرتفع عدد المصابين بالخرف من نحو ثلاثة ملايين إلى أربعة عشر مليون حالة بحلول عام 2050.

الخرف ليس شيخوخة طبيعية، وقد يكون نتيجة أمراض مُختلِفة، منها على سبيل المثال لا الحصر: مرض ألزهايمر، وأمراض الأوعية الدموية، واضطرابات السلوك، ومرض باركنسون. ويلعب الالتهاب العصبي دورًا جوهريًا في كثير من الأمراض التي تؤدي إلى الخرف. ويتمثل التحدي في أن الالتهاب العصبي خبيث، وقد يُلحِق أضرارًا تدريجيّة في الدماغ. وعلى الجانب الآخر، فإن كثيرًا من العوامل المساهمة فيه يمكن الوقاية منها، أو على الأقل الحد من تأثيرها والسيطرة عليها لفترة أطول.

يمكن الحد من الالتهاب العصبي والحصول على شيخوخة صحية وتحسين جودة الحياة عبر الحفاظ على صحة الدماغ من خلال ممارسة الرياضة، والالتزام بالنوم الجيد والتغذية الصحية، وتجنب التدخين، والحرص على التواصل الاجتماعي، وممارسة الأنشطة الذهنية، إلى جانب السيطرة على عوامل الخطر المؤثرة في الأوعية الدموية، كضغط الدم المرتفع، ومرض السكري، وارتفاع الكوليسترول، والسمنة. 

لذلك، لا شك أن إبراز نقاط القوة لدى المجتمعات العربية، ولا سيما  التماسك الأسري والدعم العائلي، يُمثل عاملًا أساسيًّا في التغلب على العزلة التي يُعاني منها المرضى، ودعم الجهود لمكافحة الوصمة المرتبطة بالخرف، وتسهيل الوصول إلى الرعاية المُتخصصة، وتعزيز الخدمات المجتمعية. ويتجلى احترامنا وتقديرنا لكبار السن في مجتمعاتنا في الوطن العربي عبر اليقظة والحرص على تقديم الدعم في الوقت المناسب. وهذا جزء من إظهار أعلى درجات الاحترام والتقدير لهم، وإشعارهم أننا سنكون بجانبهم ونخوض رحلة المرض معهم، مُترابطين ومستندين إلى قيمنا العائلية. وهذا بدوره يُحوِِّل الإحراج الاجتماعي المُصاحب لتشخيص المرض إلى لحظات ثمينة ومُثمرة نقضيها معًا.

وعلاوة على ذلك، لابد من تغيير مفهوم الخرف لدى عامة الناس وكذلك لدى بعض الأطباء، فالتقليل من شأن أعراض المرض لا يساعد المرضى، بل يُخيفهم لأنهم لا يفهمون ما الذي يحدث لهم. كما يوحي ضمنيًّا بأنه لا سبيل لتحسين حالتهم، ويزيد من عزلتهم، فتتفاقم الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالخرف. لذلك، ينبغي تشجيع الأطباء والباحثين في العالم العربي على توسيع مفهومهم للخرف، وإجراء المزيد من الدراسات حول المرضى العرب، ونشر نتائجها. وستُساعد هذه البيانات على توعية الجميع بالتحديات التي تواجهه، كما سيتيح للفرق مُتعددة التخصصات تطوير الخدمات وصياغة السياسات الوطنية بما يتناسب مع احتياجات مجتمعاتنا.

في الختام، فإن التشخيص المُبكر قوة وليس عيبًا، لأنه يشجع كل الأطراف على الاهتمام بصحة الدماغ والوقاية من أمراضه، كما يُحفِّز السعي لتحقيق اكتشافات جديدة وعلاجات أكثر فاعلية للخرف، وهو مرض لن يزول إذا تم إهماله أو إنكاره.

فلنعمل معًا على مواجهة الخرف في الوطن العربي، ولنبدأ أولًا بتسميته باسمه، حتى تصبح معركتنا قابلة للانتصار!

اقتراح ومراجعة علمية
د. زينة شمالي
جامعة هارفارد
تدقيق ومراجعة لغوية
د. زينة شمالي
جامعة هارفارد
فاطمة سالم
جامعة جنوب الوادي
د/ أروى أحمد أبو جبل
جامعة أوكسفورد Oxford
علا نصر زيادة
جامعة القاهرة