
متى يصبح النسيان مدعاة للقلق؟ حوار مع د. أحمد عبيد حول الخرف وألزهايمر في العالم العربي. أجري هذا الحوار ضمن حملة المنتدى العلمي العربي SAF بدعم من مؤسسة أبحاث ألزهايمر في المملكة المتحدة Alzheimer's Research UK.
يمكن مشاهدة الحوار كاملًا عبر قناتنا على Youtube من خلال هذا الرابط:
https://youtu.be/knlL5AeM1Yw?si=F7ohu6vjQU6wi_5f
وقد أرفق الرابط أيضًا أعلى المقال
النص الكامل للحوار:
يحيى:
مساء الخير دكتور أحمد.
د. أحمد عبيد:
أهلًا وسهلًا يحيى، مساء النور، كيف حالك؟
يحيى:
الحمد لله بخير. يسعدني وجودك معنا اليوم في هذه المقابلة، ضمن حملتنا التوعوية ضد أمراض ألزهايمر والخرف، بالتعاون مع «أبحاث ألزهايمر في المملكة المتحدة» ومنصة «ساف». أنت استشاري طب المخ والأعصاب في مستشفى «إن إم سي» بالشارقة، وحاصل على بكالوريوس الطب، وماجستير في الطب النفسي العصبي، ودكتوراه في الأمراض العصبية من جامعة الزقازيق، بالإضافة إلى الزمالة الأكاديمية الأوروبية، وعضوية الأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب، وشهادة في كيفية التعامل مع مرضى ألزهايمر.
وقبل انضمامك إلى مستشفى «إن إم سي»، عملتَ في مجموعة المستشفيات السعودية الألمانية في جدة والشارقة، وشغلتَ منصب رئيس قسم الأعصاب في مستشفى «ميدكير»، بالإضافة إلى كونك محاضرًا وعضو هيئة تدريس في جامعة الزقازيق. شكرًا جزيلًا على وجودك معنا اليوم. أنت تتعامل يوميًّا مع حالات ألزهايمر والخرف في عيادتك، لكن قبل أن نبدأ الحديث عن المرض، أودّ أن أتعرّف إليك أكثر: ما سبب اختيارك لتخصص الأعصاب، وتحديدًا اهتمامك بأمراض ألزهايمر والخرف؟
من طب الأعصاب إلى الاهتمام بالخرف وألزهايمر
د. أحمد عبيد:
حسنًا أهلًا بك يا يحيى وأهلًا بالجميع، وشكرًا جزيلًا على التقديم الجميل. أنا مصري مقيم في دولة الإمارات، كما قدّمتني. أنجزتُ الماجستير والدكتوراه في مصر، ثم سافرتُ إلى السعودية، واستقررتُ في الإمارات منذ نحو ست سنوات.
لديّ شغف بطب الأعصاب، لأن المخ بصفة عامة هو العضو الذي يتحكم في الحركة والإحساس والمشاعر أيضًا. فأي تغيّر، وإن كان طفيفًا، في تركيب المخ أو وظائفه الفسيولوجية، يؤثر في الشخص بأكمله. وهذه هي الميزة التي ميّزنا الله سبحانه وتعالى بها عن سائر المخلوقات: أن لدينا عقلًا يفكّر ويتّخذ القرارات، وله دور كبير في حياتنا العامة مقارنةً ببقية المخلوقات.
ولنأتِ إلى الخرف أو ألزهايمر. فإلى جانب شغفي السابق بأمراض الصداع وعلم المناعة العصبي، أو أمراض التصلب المتعدد، قبل عامين أو أكثر قليلًا، حدث موقف جعلني أبدأ في الانتباه، لأن مرض الخرف أصبح منتشرًا جدًا بين الناس، وهو حرفيًّا يسحب روح المريض من جسده. جاءتني فتاة في الثلاثينيات من عمرها، كانت قد أتت لزيارة والدها بعد أن كانت مسافرة في إجازة، فاكتشفت أنها تحدّثه وهو ينظر إليها نظرةً غريبة، غير قادر على معرفتها أو التعرّف عليها.
جاءت الفتاة في حالة انهيار، وقالت لي: «أبي لم يعد أبي. لا أعرف من هذا الشخص، وهو لا يعرف من أنا.» أثّر فيّ هذا الموقف تأثيرًا بالغًا وجعلني أبدأ الاهتمام بشكل واضح وعلمي وموثّق بطب الخرف، أو طب الشيخوخة. وقد أصبح الخرف بصفة عامة مرضًا شائعًا في الوطن العربي وفي العالم كله في الفترة الأخيرة، بسبب ارتفاع متوسط أعمار البشر مع التقدّم الطبي.
فقد أصبح من الطبيعي جدًا أن يبلغ المريض السبعين أو الثمانين أو التسعين من عمره، وهو يعيش بين أهله، مصابًا بالسكري وارتفاع ضغط الدم ومشكلات صحية أخرى مُسيطَر عليها. وهكذا جعل ارتفاع متوسط الأعمار أمراض الخرف تظهر بشكل أوضح. ولعل هذا من المواقف التي هزّتني شخصيًّا، وجعلتني أحرص دائمًا على لقاء المرضى ومقدّمي الرعاية والأهل، لأشرح لهم المزيد عن المرض وأثقّفهم بشكل علمي وموثّق.
متى يصبح النسيان مدعاة للقلق؟
يحيى:
هذا الموضوع مهم جدًا وخصوصًا عندما نتحدث عن التقدّم في العمر. فجزء من التقدّم في العمر أن الإنسان ينسى بشكل لا إرادي، كما يُقال، لكن متى يستدعي الأمر فعلًا القلق أو مراجعة مختص أو طبيب؟
د. أحمد عبيد:
حسنًا، لنقل إننا جميعًا في حياتنا اليومية، في ظل الطفرة التكنولوجية الحديثة، مطالَبون بأداء أكثر من مهمة في وقت واحد، والتفكير في أكثر من أمر في الوقت نفسه. وهذا قد يجعل المخ غير قادر على معالجة كل هذه المعطيات بشكل متناسق ومفصّل، فكثيرًا ما تفوتنا بعض التفاصيل التي يصعب تذكّرها لاحقًا. وقد يكون هذا سببًا للنسيان الذي قد يحدث لدى فئة الشباب أو صغار السن.
لكن إذا بدأ شخص تجاوز الستين من عمره في النسيان، فقد نقول إن هذا جزء من التقدّم في السن، أو من النسيان المرتبط بالعمر. لكن هناك نقطة مهمة يجب أن نفرّق بها بين النسيان الطبيعي المرتبط بالعمر والنسيان المرضي الذي قد يكون مقدمةً للزهايمر: وهي أن الشخص الطبيعي قد ينسى أمرًا بسيطًا لكنه يتذكّره بعد وقت قصير جدًا بعد لحظات. وسأعطيك مثالًا بسيطًا جدًا: قد ينسى الشخص أين ترك هاتفه أو مفاتيح سيارته، لكنه بمجرد أن يجد الهاتف أو المفتاح يعرف كيف يستخدمه، ويُكمل بقية المهمة، فيفتح السيارة أو يتحدث أو يُجري اتصالًا.
أما عندما ينسى هذا الشخص هاتفه، وحين يجده لا يستطيع حتى استخدامه، ولا يستطيع فهم التطبيقات، ولا الدخول إليها كما كان من قبل، فهنا تكون إشارة حمراء، وإنذارًا بأن هناك مشكلة، وأننا بحاجة إلى مراجعة طبيب المخ والأعصاب، أو إلى اتخاذ خطوة إضافية. وكذلك التعامل مع المواعيد والمهام المعقّدة؛ فكلما اختلف ذلك عن الطبيعي، كان علامةً تدل على أن هذا الشخص يعاني من مشكلة في أداء المهام المتواصلة أو المعقّدة، مما يجعله ضمن دائرة الاشتباه في الخرف أو ألزهايمر.
الخرف وألزهايمر: ما الفرق بينهما؟
يحيى:
خصوصًا عندما نأتي إلى كلمتَي «خرف» و«زهايمر»؛ فالمجتمع بشكل عام، وخصوصًا مجتمعنا العربي، يعتبرهما في الفئة نفسها أو المجموعة نفسها. فهل هناك فعلًا فرق بين ألزهايمر والخرف من الناحية الإكلينيكية؟
د. أحمد عبيد:
بالتأكيد. لنقل إن الخرف هو المظلة، أو المفهوم الواسع، لأي تدهور في الجانب المعرفي لدى الأشخاص. فنحو ستين إلى سبعين بالمئة من أسباب الخرف هي ألزهايمر، لكن هناك جزء مهم يختلف عن ألزهايمر، وقد يتمثل في أنواع أخرى مثل الخرف الوعائي أو خرف أجسام ليوي.
والخرف الوعائي تحديدًا هو أكثر أنواع الخرف شيوعًا بعد ألزهايمر، لأنه يحدث لدى المصابين بارتفاع ضغط الدم أو السكري أو ارتفاع الكوليسترول في الدم، نتيجة جلطات صغيرة متكررة تحدث في أنسجة المخ. لذلك فهو غالبًا ما يتشابه أو يتداخل مع ألزهايمر، وفي كثير من الأحيان يجتمع ألزهايمر والخرف الوعائي معًا في المريض نفسه. ولنبسّط الأمر: كل مريض بألزهايمر لديه خرف، لأن هذا هو المصطلح العام، لكن ليس كل مريض لديه خرف يكون بالضرورة مشخّصًا بألزهايمر.
يحيى:
أعتقد أنه فيما يخص العمر أيضًا: هل يجب فعلًا أن ننتظر حتى تتأثر الحياة اليومية بالنسيان، كما ذكرت، أم أن هناك علامات مبكرة يمكن أن نبدأ في ملاحظتها؟
د. أحمد عبيد:
نقول دائمًا إن بداية الانتباه، أو المرحلة التي ينبغي أن نراقب فيها الأب والأم أو الجد والجدة أو كبار السن، تهدف إلى التأكد من أنهم لا يعانون من خلل معرفي قد يؤدي إلى ألزهايمر. وهي المرحلة التي تلي سن الستين. فكثير من الناس بعد الستين يكونون متقاعدين عن العمل، فيمكثون في المنزل فترات أطول.
وقد يكون لتقليل التواصل المباشر أو تراجع النشاط الذهني خلال فترة التقاعد، مع مرور الوقت، دورٌ في بدء ظهور ألزهايمر. لذلك ينبغي أن نبدأ بمتابعة أفراد الأسرة بعد هذه المرحلة العمرية، لأنها المرحلة التي يُتوقع أن يحدث فيها خلل في التركيز أو الذاكرة.
من الأعراض إلى التشخيص: كيف يُكتشف المرض؟
يحيى:
حسنًا، وهل يحتاج المريض مثلًا إلى فحوصات معقّدة أو مكلفة لتشخيص أمراض ألزهايمر والخرف؟
د. أحمد عبيد:
الفكرة الشائعة عن مرض ألزهايمر أن تشخيصه معقّد ومكلف وصعب، وهي فكرة خاطئة، لأن الأمر ببساطة أننا نشخّص المرض عن طريق التاريخ المرضي للمريض نفسه، سواء من الشخص ذاته؛ ما الأعراض التي قد يشكو منها؟ أو الأهم من ذلك أن نسأل الأهل: ما الذي لاحظتموه، وما التغيرات الملحوظة في هذا الشخص أو المريض التي قد توحي بوجود خلل معرفي متقدم أو متزايد؟ ثم نُجري فحوصات دم مع تقييم معرفي وتقييم نفسي، لاستبعاد الأسباب الأخرى التي قد تؤدي إلى تدهور الذاكرة، ومن ضمنها أي أسباب عضوية متعلقة بوظائف الغدة الدرقية، أو أسباب متعلقة بمكوّنات الدم، أو العدوى المزمنة. ومن أكثر الأمراض تداخلًا مع الخرف لدى كبار السن الاكتئابُ الذي يصيب بعض الناس بعد فترة التقاعد. لذلك يجب أن نستبعده من خلال القياسات المعرفية والنفسية، ويجب أن يكون رأي الطب النفسي حاضرًا معنا، تأكيدًا أو إضافةً لتشخيصنا.
ويمكننا إجراء رنين مغناطيسي لاستبعاد الخرف الوعائي أو المشكلات المتعلقة بالأوعية الدموية. ومن المهم أن نُكمل الصورة ببعض الفحوصات الطبية المتقدمة للأشخاص الذين يوجد اشتباه كبير في إصابتهم بألزهايمر. وقد يحتاجون تحديدًا إلى فحوصات دم إضافية.
وهذه مرحلة يجري العمل على جعلها أقل تكلفة ومتاحة تجاريًّا وهي موجودة الآن في كثير من دول العالم، ومن ضمنها العالم العربي، وبالطبع أمريكا وأوروبا.
يحيى:
حسنًا، فباختصار: يمكن الوصول إلى التشخيص بطريقة سهلة وبسيطة، فقط من خلال الحديث مع المريض وعائلته، قبل اللجوء إلى التحاليل الدموية أو حتى التصوير الدماغي؟
د. أحمد عبيد:
نعم، بالضبط. يمكننا تشخيص الخرف، وهو المصطلح الواسع، بالفحص الإكلينيكي مع الفحص الطبي والتاريخ المرضي. أما لإثبات أن هذا الخرف ناتج عن ألزهايمر، فهنا قد نحتاج إلى بعض الفحوصات المتقدمة، مثل بروتينات «تاو» في الدم أو في السائل النخاعي.
العلاج اليوم: من السيطرة على الأعراض إلى تعديل مسار المرض
يحيى:
تمام. وعندما نصل إلى التشخيص الطبي، ننتقل إلى مرحلة العلاج أو كيفية التعامل مع المرض. ما العلاجات المتوفرة حاليًّا سواء لإدارة أعراض المرض أو حتى للعلاج التام؟
وحدّثنا قليلًا عن التطورات العلمية.
د. أحمد عبيد:
بمجرد أن نصل إلى التشخيص… الفكرة السائدة عن هذا المرض سابقًا أنه لا علاج شافيًّا له وأنه لا يمكن فعل أي شيء. وهي فكرة خاطئة، لأنه مع تقدّم العلاجات أصبحنا قادرين على تغيير مسار المرض أو تعديله. دعنا نفرّق بين إدارة الأعراض وتعديل مسار المرض.
إدارة الأعراض تعني أن المريض لديه بعض التغيرات المرتبطة بالذاكرة، فيمكن أن نعطيه أدوية تُحسّن الذاكرة نسبيًّا لكن بمجرد أن يتوقف المريض عن هذه الأدوية يعود التدهور مرة أخرى. أو يكون لدى المريض مشكلات في التركيز أو الانتباه، أو أعراض نفسية مصاحبة للخرف، فنعطي علاجًا للسيطرة على هذه الأعراض فقط، لكنه لا يتحكم في المرض نفسه. وبمجرد أن نوقف هذه العلاجات يعود المرض من جديد.
ويظل المرض يتقدّم في الخلفية تدريجيًّا. لكن العلاجات الحالية التي اكتُشفت في السنوات الخمس الأخيرة، والتي نسمّيها «المعدِّلة لمسار المرض»، تعمل على تقليل تكوّن البروتينات الضارة داخل الخلايا وحولها. وبهذه العلاجات صار بإمكاننا مع الوقت إيقاف نشاط المرض مؤقتًا لمدة خمس إلى عشر سنوات، فنؤخّر المرض في مراحله المبكرة، ونؤخّر وصول المريض إلى مرحلة متقدمة من الخرف أو ألزهايمر.
يحيى:
تمام. وهل هذه العلاجات متوفرة حاليًّا في الوطن العربي ويسهل الحصول عليها؟ وكيف يمكن للمختص أن يساعد المريض في الحصول عليها؟
د. أحمد عبيد:
العلاجات حاليًّا معتمدة من إدارة الغذاء والدواء، ومتاحة في أمريكا وأوروبا وبعض الدول العربية. ومما يؤخذ على هذا النوع من العلاجات أن تكلفة الكورس العلاجي مرتفعة نسبيًّا مقارنةً بالعلاجات الأخرى المعتادة، لأنها في النهاية علاجات اكتُشفت حديثًّا وحصلت على الاعتماد منذ شهور أو سنوات قليلة. ولذلك يكون الحصول عليها دائمًا في إطار تقييم طبي متقدم، ويبقى من المهم أن نختار المريض المناسب لكل دواء.
فكلما بدأنا العلاج في مرحلة مبكرة، حصل المريض على أقصى استفادة دوائية، وقلّلنا كثيرًا من فرصة حدوث الأعراض الجانبية.
الخرف في الأسرة العربية: بين الوصمة والرعاية
يحيى:
تمام. تحدّثنا عن المرض، من بداية ملاحظة الأعراض حتى الوصول إلى العلاج. لكنني في الوقت نفسه أودّ أن أتحدث معك عن الجانب الاجتماعي في التعامل مع المرضى.
تقول منظمة الصحة العالمية إن هناك حاليًّا أكثر من خمسة وخمسين مليون شخص مصاب بالخرف حول العالم، والأرقام في تزايد، وخصوصًا في الوطن العربي. لكن عندما ننظر إلى الوطن العربي، نجد أن كثيرًا من الأسر، حين تبدأ في ملاحظة أعراض الخرف على كبار السن، يرتبط الأمر لديها بالخوف أو بوصمة اجتماعية. كيف يمكن أن يؤثر هذا في تشخيص المرضى وتأخير علاجهم؟
د. أحمد عبيد:
بالتأكيد، هذا سؤال مهم جدًا يا يحيى، وشكرًا على طرحه، لأنه يفتح لنا بابًا مهمًا جدًا للتثقيف الصحي للعائلات العربية. بالطبع، الأرقام الصادرة عن منظمة الصحة العالمية هي أرقام مبنية على دراسات أُجريت في معظم دول العالم؛ وهناك نقص كبير في الدراسات في الدول العربية. والأسباب كثيرة، منها ضعف الإمكانيات، ومنها تأخّر اكتشاف المرض نفسه داخل الأسر.
فمعظم الأسر العربية، بارك الله فيهم، لديهم ذلك الترابط الأسري الجميل، ومفهوم الأسرة الصغيرة والكبيرة، والتزاور. وهذه نقطة مهمة جدًا، ولها تأثير مباشر. لكن في النهاية، التأثير السلبي الذي نراه على أرض الواقع أنه عندما يبدأ المريض أو الشخص كبير السن تظهر عليه أعراض النسيان وتراجع الذاكرة والتركيز، يُصنَّف ذلك على أنه جزء طبيعي من التقدم في العمر لا يحتاج إلا إلى رعاية إضافية.
ومع الوقت تتدهور حالة المريض، فيبدأ يسلك سلوكيات عدوانية، ويُصاب بالقلق والتوتر، وتبدأ وظائفه المعرفية في التدهور. وفي النهاية، تخشى الأسر أن تطلب المساعدة الطبية، لأنه قد يُفسَّر ذلك على أنهم لا يحترمون هذا الشخص الكبير، أو أنهم يريدون وضعه في دار رعاية فحسب، ولا يريدون الاهتمام به بعد أن ضحّى بنفسه من أجلهم. وهذا مفهوم خاطئ جدًا.
ويجب أن نقوم بالتوعية المناسبة حوله، لأن الخرف أو ألزهايمر مرض مثله مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، يجب أن يُشخَّص وأن يُعالَج، حتى يعيش المريض حياة طبيعية أطول فترة ممكنة. ودور الأهل في المساندة دور أساسي ومهم جدًا، لكن التشخيص المبكر عن طريق الأهل هو ما يجعل المريض يعيش أطول فترة ممكنة في راحة، ويجعل الأهل أيضاً يعيشون في راحة، وفي بيئة خالية من الضغط والقلق والتوتر. لأنه في النهاية، مقدّم الرعاية الصحية الذي يعتني بالمريض، سواء كان ابنة المريض أو ابنه أو زوجة الابن أو الأهل، هم أكثر الناس معاناةً مع المريض، وتكون معاناتهم صامتة.
والحلول في أيديهم، لكنهم للأسف يتأخرون كثيرًا في السؤال أو طلب النصيحة الطبية.
يحيى:
تمام. بصراحة، هذا الموضوع يفتح المجال لأسئلة كثيرة. أودّ أن أبدأ معك بهذه: لقد ذكرت موضوع دور الرعاية.
عندما نعقد مقارنة مع الطب الغربي، أي طريقة التعامل مع المريض في أمريكا وأوروبا مقابل الوطن العربي، نجد أن الغرب يتعاملون مع المريض بشكل فردي من خلال دور الرعاية الخاصة، بينما في ثقافتنا العربية تكون الأسرة هي خط الدفاع الأول قبل اللجوء إلى دور الرعاية الخاصة. فما نقاط القوة والضعف في هذين النهجين المختلفين، الغربي والعربي، في التعامل مع أمراض الخرف وألزهايمر؟
د. أحمد عبيد:
دعنا نقول إن الترابط الأسري والرعاية الاجتماعية المنزلية لمريض الخرف مهمّان جدًا، ولهما تأثير مباشر في تحسين الأعراض. لكن في النهاية، الرعاية الطبية لمرض ألزهايمر علمٌ وفنٌّ نتدرّب عليه، وليست مجرد شيء عشوائي نفعله لإراحة المريض. ولذلك، إذا قُدِّمت هذه الرعاية بطريقة مناسبة، فإنها تُقلّل كثيرًا من العبء عن مقدّم الرعاية أو الأهل في المنزل.
وهذا ما تقدّمه دور الرعاية المتخصصة: فهي توفّر دائمًا أشخاصًا مدرَّبين وحاصلين على شهادة في كيفية التعامل مع المرضى، مما يجعل العبء على الأهل أخف بكثير. وحتى في دور الرعاية النهارية، حيث يذهب المريض فترةَ منتصف اليوم بينما يكون الأهل في العمل أو غير قادرين على رعايته، ثم يعود ليلًا إلى بيته، في هذه الفترة يتعامل المريض مع أشخاص كثيرين، ويمارس أنشطة، وتتغير نظرته كثيرًا، فيكون في حال ممتازة جدًا، ويعود إلى البيت مرتاحًا بلا مشكلات. أما أن يبقى المريض محبوسًا داخل البيت، محبوسًا داخل غرفة لا يرى فيها أحدًا ولا يتعامل مع أحد، خوفًا من أن يصرخ في أحد أو يضايقه بكلامه، فيُكتفى بإدخال الطعام والشراب إليه، وتكون تلك هي طريقة التعامل معه، هذا مبدأ خاطئ جدًا، ويجب أن يفهم الناس هذا المنطق، لأن هذه هي الطريقة التي تحدّد إما أن يعيش مريض ألزهايمر حياة طبيعية، إذا كان يخرج ويتعامل مع الناس وفي تواصل حسّي وحركي دائم معه، أو أن يتحوّل إلى مريض مكتئب وعصبي، يكسر الأشياء، عنيد، منعزل دائماً عن الناس، فيصبح عبئًا كبيراًا جدًا على الأهل.
وفي أحيان كثيرة يُضطر مقدّم الرعاية أو الأهل إلى التفرّغ لرعاية الأب أو الأم المصاب بالخرف، وهذا يُبقي الأسرة دائمًا في حالة تأهّب واستنفار وقلق وتوتر طوال الوقت.
يحيى:
أودّ أن أركّز قليلًا على ما ذكرتَه: أمراض الخرف عمومًا لا تؤثر في المريض وحده، بل تؤثر في عائلته ومقدّمي الرعاية في الوقت نفسه. وبالطبع تشير الدراسات الحالية إلى أن أغلب مقدّمي الرعاية من النساء، اللواتي يجدن أنفسهنّ مسؤولات وحدهنّ عن هذا المريض، بينما لا تملك بقية العائلة القدرة على الاهتمام بالطريقة نفسها. فما الرسالة التي يمكن أن نقدّمها للمجتمع بشكل عام، أو حتى لهؤلاء الأشخاص مقدّمي الرعاية، في التعامل مع المرضى؟
د. أحمد عبيد:
أوجّه تحية عظيمة لكل سيدة، أمّاً كانت أو ابنة أو زوجة، ترعى مريضًا مصابًا بالخرف أو ألزهايمر، لأن هذه الرعاية مجهود بدني وذهني غير عادي، فلهنّ كل التحية والتقدير. ولا بد أن أقول إن رعاية هذا النوع من المرضى أشبه بماراثون؛ ومعنى الماراثون أنها يجب أن تتم بشكل متتابع، بحيث يتناوب مقدّم الرعاية مع شخص آخر. فقد وُجد أن مقدّمي الرعاية لمرضى الخرف، ومن النساء تحديدًا، أكثر عرضةً من غيرهنّ للإصابة بالاكتئاب، وبالأمراض المزمنة المتعلقة بالفقرات، سواء ألم أسفل الظهر أو الرقبة، وأكثر عرضةً أيضًا للإصابة بأمراض القلق والتوتر المزمن، مما يؤدي في النهاية إلى عزلتهنّ عن أداء دورهنّ العائلي مع أزواجهنّ أو أولادهنّ.
فالعبء ضخم جدًا على النساء اللواتي يرعين الأهل في البيت، ويجب أن يكون هذا العبء مقسومًا وموزّعًا على أكثر من شخص، ويجب أن يُنظَّم بطريقة ذكية تريح مقدّم الرعاية، حتى يتمكّن من ممارسة حياته الطبيعية، ولا يعجز عن رعاية نفسه ورعاية الشخص المصاب بألزهايمر أو الخرف.
يحيى:
أعتقد أنه يمكننا القول إن العناية بمرضى الخرف مهمة اجتماعية ومجتمعية أكثر من كونها عبئًا على شخص واحد، سواء على مستوى العائلة أو المراكز الصحية أو حتى الحكومة بشكل عام. وهذا كله صحيح؛ إنه أمر مشترك ينبغي أن نعمل عليه جميعًا. وبمناسبة الحديث عن هذا الموضوع، أودّ أيضًا أن أتحدث معك — فكثير من متابعينا من العلماء والأطباء العرب بإمكانهم الإسهام في هذا المجال.
فهل من نصيحة تودّ توجيهها، أو أمرٍ معيّن ينبغي أن نركّز عليه فعلًا في الوطن العربي للمساعدة؟
د. أحمد عبيد:
أول رسالة أحتاج أن أوجّهها للأطباء والمثقفين هي أن الوعي المجتمعي بالخرف أو ألزهايمر يجب أن يبدأ من البيت. فينبغي أن يُتابَع كل أب أو أم أو كبير في السن متابعةً جيدة، ورصد أي أعراض مبكرة للخرف أو ألزهايمر، وإجراء فحص دوري حتى نتمكّن من اكتشاف حالات ألزهايمر مبكرًا، لأن هذا ما يمنح المريض فرصة أن يُكمل حياته لمدة أطول بكثير بشكل طبيعي. أما اكتشاف المرض متأخرًا، فمع الأسف الشديد يُضيّع فرصًا كثيرة جداً في العلاج الدوائي أو النفسي أو غيرها من العلاجات التي قد تفيد المريض بشكل كبير.
والرسالة الثانية، للأمهات ومقدّمي الرعاية لمرضى الخرف أو ألزهايمر: يجب أن يكون الاهتمام بنفسك أولوية، لأنك لن تكوني قادرة على رعاية هذا الشخص جسديًّا وذهنيًّا إلا إذا كنتِ أنتِ سليمة جسديًّا وذهنيًّا. فرعاية مرضى ألزهايمر ليست حكرًا على النساء في البيوت أو على الشخص الذي لا يعمل؛ إنها مسؤولية كبيرة جدًا يجب أن يشارك فيها المجتمع كله، سواء بقية الأهل في البيت، أو مقدّمي الرعاية الذين قد توفّرهم الحكومات، أو المراكز المتخصصة في وقتنا الحالي. وهذا ليس وصمة عار ولا عيًبا؛ فالأهل الذين قد يُلحقون ذويهم بدور رعاية بشكل مؤقت أو لجزء من اليوم، ليس هذا إهمالاً منهم ولا عقوقاً للوالدين، بل هو التصرّف الذكي والسليم والصحيح فهو ما يخفّف العبء ويجعل الرعاية الطبية والصحية تُقدَّم بأفضل طريقة ممكنة.
كيف نتعامل مع مريض الخرف في الحياة اليومية؟
يحيى:
بالتأكيد، فاللجوء إلى هذه الخيارات، سواء دور الرعاية أو حتى المختص للمساعدة، أمر مهم جدًا. وأنت حاصل على شهادة في كيفية التعامل مع المرضى. ونحن، من خلال الأفلام أو المسلسلات التي تتحدث عن ألزهايمر، نرى دائمًا أنه ينبغي أن نتعامل مع المريض وكأنه طفل صغير، وأننا إذا نسي شيئًا نحاول ألّا نُظهر له ذلك.
فهل هذا صحيح، أم أنه مجرد أمر ينقله الإعلام بطريقة مختلفة عن الواقع؟
د. أحمد عبيد:
هذا فنّ وعلم ودراسة وشهادة. وهذا الكلام صحيح نسبيًّا، فعلينا أن نتعامل مع مريض الخرف من منطقه هو، لا من منطق الشخص السليم. أي علينا أولاً أن نضع أنفسنا مكانه، وأن نُظهر له الاهتمام والحب والتعاطف، ويجب أن تكون اللمسة الحانية حاضرة، لأنها أكثر ما يجعل المريض مطمئنًا.
فلا ينبغي أن يقول الابن للمريض: «لا، أنت نسيت هذا الأمر، كيف لا تتذكره؟»، بل نقول له: «نعم، ربما يكون هذا قد غاب عن بالك، ولكن…» «الوضع الصحيح كذا وكذا»؛ فيمكننا تصحيح المعلومة بطريقة سهلة، ويمكننا أن نلفت انتباهه إلى أمر آخر إذا كان منزعجًا من فكرة معيّنة أو خائفًا منها. ولا تمنحه خيارات كثيرة، لأنه قد يشعر بالتشتت بينها؛ علينا دائمًا أن نكون واضحين معه. فبدلًا من أن نقول له: «ماذا تودّ أن تأكل اليوم؟
أيّ صنف: الأول أم الثاني أم الثالث؟»، قُل له: «سنأكل هذا الصنف اليوم»؛ فإن أحبّه فبها، وإن لم يُحبّه قدّمنا له صنفًا آخر. لا تضعه أمام خيارات كثيرة لأنه سيتشتّت ويضيع. ولا تضعه في مواقف تُربكه، ولا تسأله: «أتذكر من هذا؟
ومن هذا؟ ومن هذا؟» بل علينا أن نقول له المعلومة قبل أن يفكّر فيها، ونذكّره بها بشكل غير مباشر، حتى لا يقع في حيرة تجعله متوترًا دائمًا، ولا يدخل في جدال بين رأيه ورأي الآخر. فإذا كان رأيه لا يؤثر في شيء وليس أمرًا جوهريًّا، فيمكننا أن نعتبره صحيحًا نسبيًّا، على الأقل أمامه، دون أن نحاول معارضته في الرأي أو تكذيبه أو مجادلته، لأن هذا في النهاية سيخلق حالة من الإحباط والتوتر والقلق والعصبية الزائدة.
يحيى:
يمكننا أن نختصر الأمر بأن التعامل مع المريض يقوم على أن نوفّر له أكبر قدر من المعلومات قبل أن نطلب منه أن يتحدث معنا أو يختار أو يتّخذ قرارًا. فهل هذا منظور صحيح؟
د. أحمد عبيد:
صحيح نسبيًّا؛ وعلينا أن نضع أنفسنا مكان المريض، وأن نتعامل معه من وجهة نظره هو، لا من وجهة النظر المنطقية الصحيحة، لأن حكمه على الأمور مختلّ. فليس علينا أن نقف ضده في الحكم أو أن نصحّح له الأمر دائمًا، بل علينا أن نقف في الزاوية التي يقف فيها، وننظر من منظوره، ونحاول أن نطمئنه ونهدّئه، لأن هذا أكثر ما قد يفيده في تلك اللحظة، حتى في نوبات الغضب أو العصبية.
الوراثة والوقاية: هل يمكن تقليل خطر الإصابة؟
يحيى:
حسنًا، أودّ أن أتحدّث معك في موضوع، فقد ذكرنا التاريخ الطبي عدة مرات خلال المقابلة، فحين يرى شخصٌ أن كثيرين من أفراد عائلته يعانون من أمراض الخرف وألزهايمر، يطرح ذلك سؤالًا مهمًا عن العلاقة الجينية بهذا المرض. فكيف يمكن للمرء أن يبدأ الحديث عن هذا الأمر مع طبيب مختص؟
د. أحمد عبيد:
نحن نواجه هذه الأسئلة كثيرًا من أبناء المرضى المصابين بالخرف: «يا دكتور، والدي أو والدتي أو جدّي أو جدّتي مصاب بالخرف أو ألزهايمر، فهل يعني ذلك أنني حين أبلغ عمره سأُصاب بألزهايمر؟» والإجابة بالطبع لا؛ فنسبة ضئيلة جدًا من المرضى قد يكون لديهم خلل جيني قوي يجعل ألزهايمر يظهر أو يبدأ حتى في سنّ صغيرة، وهؤلاء ربما أقل من خمسة بالمئة من المصابين بالخرف. أما الخمسة والتسعون بالمئة الباقون، فالأمر كله لديهم يتعلق بجينات يمكن أن نغيّرها بنمط حياة صحي متوازن. وبالتالي، فالأمر بأيدينا؛ فحتى لو كان لدينا فرد في الأسرة مصاب بخلل أو بالخرف، فليس بالضرورة أن نُصاب نحن بالخرف أبداً.
بل يمكننا أن نحمي أنفسنا من الإصابة بالخرف، حتى لو لم يكن لدينا أحد في العائلة مصاب به، باتباع نمط الحياة الصحي المناسب.
يحيى:
حسنًا، وبالحديث عن اتباع نمط الحياة الصحي المناسب، دعنا نتحدث قليلًا عن طرق الوقاية التي يمكن أن نتّبعها. فما أهم الأشياء التي يمكن للمرء أن يضيفها إلى حياته اليومية لتساعد على الوقاية من أمراض الخرف، خصوصًا إذا كان هناك تاريخ مرضي في العائلة؟
د. أحمد عبيد:
هناك ثلاثة محاور رئيسية يجب أن نتحدث عنها. المحور الأول هو المحور الطبي، أي أن نحاول السيطرة على أي أمراض مزمنة مثل مشكلات الضغط أو السكري أو الكوليسترول، لأنها في النهاية تؤدي إلى أنواع أخرى من الخرف بل وإلى ألزهايمر. فالمتابعة الطبية الدورية للأمراض المزمنة مهمة جدًا لتحييد العوامل الطبية الأخرى التي قد تتداخل أو تؤثر في مسار المرض.
المحور الثاني هو النشاط الذهني المستمر والتواصل الاجتماعي المتواصل. بمعنى أن يبقى الشخص دائمًا نشيطًا ذهنيًّا وجسديًّا. وماذا نعني جسديًّا؟
أن نمارس الرياضة المعتادة، ونحرص على ممارسة رياضة منتظمة بشكل يومي على مدار الأسبوع. فرياضة خفيفة كالمشي أو الهرولة قد تكون مناسبة جداً لزيادة الدورة الدموية في الجسم، ومنه المخ. أما النشاط الذهني، وهو الأهم، فطالما نتواصل مع الناس، ونتعرّف إلى أشخاص جدد، ونتعلّم شيئًا جديدًا، ونمارس أنشطة جديدة، فإن ذلك يُبقي المخ في حالة تحدٍّ وتطوّر دائم، ويُبقي الخلايا العصبية في حالة تواصل وتحسّن مستمر في وظائفها.
وهذا ما يتميّز فيه الغرب كثيرًا؛ فالأشخاص بعد سن الستين أو بعد التقاعد يبدؤون في تعلّم لغات جديدة، وممارسة الرياضة بشكل أكثر تفصيلاً، وتعلّم مهارات وحِرَف جديدة، وتعلّم الموسيقى، والتواصل فيما بينهم أكثر. كل هذه الأنشطة الذهنية تُحدث فرقًا كبيرًا جدًا في تأخير حدوث المرض، أو تأخير تطوّره إذا حدث. المحور الثالث، وهو لا يقل أهمية عن الاثنين السابقين، هو النوم.
فكلما كان نومنا منتظمًا ومتواصلًا، أتحنا للمخ فرصة أكبر لتنظيف نفسه من السموم والمواد الضارة التي قد تؤثر فيه مع تراكمها على مدار السنوات. فلنلخّص الأمر: الجانب الطبي، أي التحكّم في الأمراض المزمنة كالضغط والسكري والكوليسترول؛ ثم النشاط الذهني والبدني المستمر؛ والأمر الثالث هو النوم. وهذه النقاط الثلاث مهمة في سنّ الصِّغَر تمامًا كأهميتها في الكِبَر.
النوم وصحة الدماغ
يحيى:
عندي سؤال شخصي أكثر بشأن موضوع النوم؛ فنحن في الوطن العربي تحديدًا نعاني من الأرق أو السهر، وهي عادة اجتماعية منتشرة كثيرًا لدينا. ومع التقدّم الطبي، توجد حاليًّا كثير من الأدوية مثل الميلاتونين وغيرها. أعتقد أن الأبحاث ما زالت تعمل على الموضوع. لكن من وجهة نظرك، هل تنصح مثلًا من يعاني من هذه المشكلة بتناول مثل هذه الأدوية، أم أن الأمر يختلف من شخص لآخر؟
د. أحمد عبيد:
الأدوية أو المكمّلات الغذائية التي تساعد على النوم موجودة ولها دور فعّال، لكن الأهم هو علاج السبب، أي نمط الحياة السيّئ الذي يعيشه كثير منا: أن نستيقظ في وقت متأخر، دون موعد ثابت، ولا نمارس الرياضة في بداية اليوم، وقد ننام فترات القيلولة ظهرًا أو بعد العصر، وقد نسهر كثيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي أو نتصفّحها بشكل متواصل. كل هذا يُبقي المخ في حالة استيقاظ وتأهّب، فيؤخّر كثيرًا النوم الطبيعي. لكن إذا ابتعدنا عن الشاشات، وعن أي منبّهات للمخ، وقلّلنا الكافيين الذي نتناوله في فترة الليل، فكل هذه عوامل تساعدنا على النوم بشكل طبيعي.
فلا بد من معالجة المشكلة من جذورها، لا أن نكتفي بالعلاجات التي تساعد على النوم فقط.
دور الإعلام في تغيير الصورة النمطية عن الخرف
يحيى:
دكتور أحمد، كان حديثًا جميلًا جدًا. تحدّثنا عن المرض وطريقة تشخيصه والعلاجات المتوفرة حاليًّا، وركّزنا أكثر على الجانب الاجتماعي ووصمة العار المرتبطة بأمراض ألزهايمر والخرف، وأهمية التعامل مع هذا الأمر. فهل هناك دور مهم للإعلام في المساعدة على التوعية بهذا الموضوع، وكيف يتم ذلك بطريقة مبسّطة للمشاهد؟
د. أحمد عبيد:
بالتأكيد، للإعلام دور مهم جدًا وحيوي في زيادة وعي الناس بأن الخرف مرض وليس مجرد تقدّم في العمر، وأن المريض المصاب بالخرف يمكن أن يكون نشيطًا اجتماعيًّا وذهنيًّا وله دور في المجتمع، لا مجرد شخص منعزل يقبع في غرفة دون أي رعاية. فالتشخيص المبكر ومعالجة المشكلة من جذورها، مما يمكن للإعلام أن يساعد في إيصال رسالته إلى الناس بشكل مبسّط وسهل جدًا. فالأفلام، كما طرحتَ، يمكنها أن تطرح فكرة كيف تبدو أعراض الشخص المصاب بألزهايمر، وكيف يتّبع الأهل الطريقة العلمية في أن يُفحَص مبدئيًّا لدى الطبيب العام أو طبيب الأسرة، ثم يُحوَّل إلى الفحوصات المتقدمة مع طب الأعصاب.
وكيف يستفيد هذا المريض كثيرًا من وجوده في دور الرعاية النهارية أو من رعاية صحية متخصصة، بدلًا من أن يجلس في البيت وحده دون أي رعاية. فالإعلام، سواء في وسائل الإعلام أو الأفلام أو المسلسلات، يمكن أن يكون له دور هائل في التوعية الصحية بالخرف أو ألزهايمر.
رسالة أخيرة: التشخيص المبكر والوقاية مسؤولية مشتركة
يحيى:
شكرًا جزيلًا دكتور أحمد، تشرّفنا بوجودك اليوم مع «ساف». هل من رسالة أخيرة تودّ توجيهها؟
د. أحمد عبيد:
دعني ألخّص هذا الحوار الشيّق والممتع الذي جمعنا في نقاط رئيسية: الخرف مصطلح شامل يندرج تحته ألزهايمر، وألزهايمر يجعل الشخص مع الوقت لا يفكّر بشكل سليم، ولا يتذكّر بشكل سليم، ولا يستطيع اتخاذ القرارات بشكل سليم، ويحتاج بشكل متدرّج إلى رعاية صحية ورعاية نفسية ويومية، مما يشكّل عبئًا نفسيًّا وجسديًّ وماديًّ كبيرًا جداً على الأهل. والتشخيص المبكر هو الأساس في العلاج؛ فالتشخيص ليس صعبًا، والعلاج في المراحل الأولى ليس صعبًا، والسيطرة على المرض بالأدوية الجديدة أصبحت، والحمد لله، متاحة الآن وفي متناول اليد في كثير من دول العالم. والوقاية بالمتابعة الصحية المنتظمة، وتحسين جودة الحياة، والنشاط الذهني والبدني، وتحسين جودة النوم، هي الأساس في أن نبقى جميعًا كأشخاص أصحّاء وشباب، بمنأى بإذن الله عن أي خرف أو مشكلات حين نتقدّم في العمر.
يحيى:
دكتور أحمد، شكرًا جزيلًا على وجودك معنا اليوم؛ كان حوارًا شيّقًا ومفيدًا جدًا. وكانت معلومات رائعة أعتقد أنها ستفيد المشاهد العربي، وتناولت أسئلة مهمة كثيرة.
د. أحمد عبيد:
شكرًا يحيى على هذا اللقاء الجميل، وشكرًا لجميع الأطباء والزملاء الذين حضروا. ونأمل بإذن الله أن يتمكّن المرضى والأهل وبقية الناس في الوطن العربي وفي أي مكان من الاستفادة من هذه المعلومات. وأنا مستعدّ لأي أسئلة إضافية قد يطرحها أحدكم أو أحد من الجمهور.