.png)
تشير أحفورة يعود عمرها إلى العصر الميوسينى المبكر قبل نحو 17–18 مليون سنة إلى أن الشرق الأوسط كان مركزًا محوريًا في البدايات المبكرة لتطور أشباه البشر.
على مدار عقود، أُعيد بناء التاريخ المبكر لتطور القِرَدة اعتمادًا على نطاق جغرافي محدود. فقد شكّلت حفريات شرق أفريقيا، ولا سيما في كينيا وأوغندا، الأساس الذي استندت إليه التصورات السائدة حول مكان وزمان ظهور أسلاف القِرَدة الحديثة لأول مرة. غير أن اكتشافًا جديدًا من مصر يوسّع هذا الأفق، مشيرًا إلى أن شمال أفريقيا والشرق الأوسط قد شكّلا مركزًا أكثر ترجيحًا لنشأة القِرَدة الحية.
في دراسة نٌشرت في دورية Science العلمية بتاريخ 26 مارس 2026، وصف فريق بحثي دولي من مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية بمصر وجامعة جنوب كاليفورنيا يالولايات المتحدة نوعًا جديدًا من القِرَدة الأحفورية يحمل اسم Masripithecus moghraensis، عاش قبل نحو 17–18 مليون سنة خلال العصر الميوسيني المبكر [1]. وقد استُخرجت بقاياه من موقع وادي مغرة في شمال مصر، لتمثل أول دليل أحفوري قاطع على وجود القِرَدة في شمال أفريقيا خلال تلك الحقبة. ولا يقتصر هذا الاكتشاف على توسيع النطاق الجغرافي المعروف لانتشار القِرَدة العليا بل يضع مصر ومنطقة شمال افريقيا والجزيرة العربية في صميم مرحلة تطورية مفصلية قادت إلى ظهور القِرَدة الحديثة.
سد فجوة في السجل الأحفوري
أمضى الفريق خمس سنوات في البحث عن مثل هذه الأحفورة، إذ يكشف التدقيق في شجرة عائلة القِرَدة العليا عن فجوة واضحة، ويبدو أن شمال أفريقيا يحتفظ بمفتاح سدّ هذه الفجوة.
كانت مواقع العصر الميوسيني المبكر في شمال أفريقيا قد أسفرت سابقًا عن حفريات لقرود، دون وجود أدلة على القِرَدة، ما عزّز الاعتقاد بأن القِرَدة العليا وأقاربها اقتصر وجودهم آنذاك على مناطق جنوبية من القارة. ورغم العثور على حفريات لقِرَدة في مراحل زمنية لاحقة في أفريقيا وآسيا وأوروبا، فإن العلاقات التطورية بينها وأصولها الجغرافية ما تزال محل نقاش علمي. ويبدو الآن أن هذا السجل الأحفوري غير المتوازن قد حال دون الفهمٍ الدقيق لنشأة مجموعة القِرَدة العليا، التي تضم جميع القِرَدة الحية، من الجيبونات، وإنسان الغاب، إلى الغوريلا، والشمبانزي، والإنسان، إضافة إلى سلفها المشترك الأخير.
اكتشاف مصريبيثِكس مغراينسِس ليس فقط دليلًا على وجود القِرَدة في شمال أفريقيا خلال تلك الفترة، بل أيضًا على تميّز هذا النوع الجديد مقارنةً بأنواع معاصرة له في شرق أفريقيا. ويجمع اسم الجنس [2] بين كلمة "مصر" باللغة العربية، وكلمة يونانية تعني "قرد"، بينما يشير اسم النوع [3] إلى وادي مغرة، الموقع الأحفوري المعروف الذي استُخرجت منه البقايا خلال أعمال ميدانية لفريق سلام لاب خلال عامي 2023 و2024.
سمات تشريحية تكشف نمط حياة مرن
وعلى الرغم من أن العيّنة الأحفورية تقتصر على الفك السفلي، فإنها تحتفظ بمزيج فريد من السمات التشريحية غير المسجلة في أي قرد آخر من هذه الحقبة. وتشمل هذه السمات أنيابًا وضواحك كبيرة على نحو استثنائي، وأضراسًا ذات أسطح طحن مستديرة وغنية بالتعرجات، إضافة إلى فك قوي البنية. وتشير هذه الخصائص مجتمعة إلى قدرة تكيفية عالية؛ إذ تُفسَّر بنية المضغ على أنها دليل على نظام غذائي مرن يعتمد أساسًا على الفاكهة، مع القدرة على التعامل مع أطعمة أكثر صلابة كالمكسرات والبذور عند الحاجة. وربما ساعدت هذه المرونة هذا القرد على الازدهار في ظل التغيرات المناخية التي أدّت إلى تمايز أكبر بين الفصول في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية.
موقع محوري على شجرة التطور
غير أن التشريح وحده لا يروي القصة كاملة؛ إذ يحتل مصريبيثِكس موقعًا محوريًا على شجرة تطور القِرَدة. فقد استخدم الفريق أساليب بايزية متقدمة جمعت بين البيانات التشريحية للقِرَدة الحية والمنقرضة، والبيانات الجينية للقِرَدة الحية، والأعمار الجيولوجية للأحفوريات، بهدف إعادة بناء العلاقات التطورية وتحديد توقيت تفرّع الأنواع. وأظهرت النتائج أن مصريبيثِكس أقرب صلةً بالقِرَدة الحية مقارنةً بأي نوع معروف من شرق أفريقيا في العصر الميوسيني المبكر.
كما تشير تحليلات جغرافيا الحياة التي أجراها الفريق إلى أن شمال أفريقيا والشرق الأوسط يمثّلان الموطن الأكثر ترجيحًا للسلف المشترك لجميع القِرَدة الحية، والذي يُقدَّر أنه عاش خلال العصر الميوسيني المبكر. ففي تلك الفترة، كانت المنطقة تحتل موقعًا استراتيجيًا مع تحرّك الصفيحتين الأفريقية والعربية شمالًا خلال المرحلة الأخيرة من تصادمهما مع آسيا. وقد أدت تغيّرات مستويات البحار إلى تقليص الحواجز البحرية بشكل دوري، ما جعل المنطقة ممرًا طبيعيًا لانتشار الكائنات الحية.
وفي هذا السياق، يمثّل مصريبيثِكس حلقة وصل حاسمة بين السجلين الأحفوريين الأفريقي والأوراسي اللذين كانا يُنظر إليهما سابقًا على أنهما منفصلان، إذ يكشف أن القِرَدة كانت قد بدأت بالفعل في التنوع داخل هذه المنطقة، ما أتاح لها الانتشار لاحقًا إلى أوروبا وآسيا بمجرد تشكّل جسور برية.
إعادة التفكير في أصول القِرَدة
يغيّر هذا الاكتشاف نظرة العلماء حول أصول القِرَدة؛ إذ كان يرجّح أن السلف المشترك لجميع القِرَدة الحية عاش في شرق أفريقيا أو بالقرب منها، غير أن هذا الاكتشاف الجديد، مدعومًا بتحليلات حديثة لشجرة النسب والتوزيع الجغرافي، يطرح تحديًا قويًا لهذه الفرضية، ويقدّم بديلًا أكثر اتساقًا مع المعطيات الحالية.
ويتوقع الباحثون أن تسفر الجهود الاستكشافية المتجددة في هذه المنطقة عن اكتشافات أحفورية إضافية ستكون حاسمة لفهم أصول القِرَدة الحديثة وبدايات تنوعها. وكما يُظهر مصريبيثِكُس مغراينسِس، فإن فصولًا جوهرية من تاريخنا التطوري ربما لا تزال كامنة في مناطق لم تُستكشف بعد على نحو كافٍ.
على الهامش
1- العصر الميوسيني المبكر: فترة جيولوجية تمتد تقريبًا من 16-23 مليون سنة، وتعد جزءًا من عصر الميوسين. وشهدت هذه الفترة تغيرات ومناخية وبيئية مهمة، وظهور تنوع كبير في الثدييات، بما في ذاك المراحل المبكرة من تطور القردة.
2- اسم الجنس: مرتبة تصنيفية في علم الأحياء تستخدم لتجميع مجموعة من الأنواع المتقاربة التي تشترك في صفات أساسية وتكتب اسم الجنس أولًا ويبدأ بحرف كبير، مثل Masripithecus.
3- اسم النوع: أدق وحدة في التصنيف الحيوي، وتشير إلى كائنات يمكنها التزاوج فيما بينها وإنتاج نسل خصب. ويكتب اسم النوع بعد اسم الجنس بحروف صغيرة، مثل moghraensis.