
التحكم في المدخول الغذائي واضطرابات التمثيل الغذائي
إن التحكم في المدخول الغذائي يحمل إمكانات علاجية كبيرة لمجموعة واسعة من اضطرابات التمثيل الغذائي، وذلك لأنه يؤثر في وزن الجسم والميكروبيوم المعوي (1). لذلك، فقد حظيت الأنظمة الغذائيّة المنظمة، مثل الصيام المتقطع الذي يعتمده البعض كأسلوب علاجي، باهتمام كبير في الآونة الأخيرة.
العلاقة بين الميكروبيوم المعوي والعائل
يعتمد الميكروبيوم المعوي على العائل، مثل الإنسان، للحصول على المغذيات والسوائل، لكنه يؤثر بدوره على وظائف الجسم من خلال عمليات بيولوجية أهمها إنتاج مُستقلبات نشطة بيولوجيًّا. وتتأثر هذه العلاقة بعوامل عديدة منها نوع الغذاء، وعدد الوجبات، وتوقيت تناولها. وللحفاظ على نظام ميكروبي مُستقر، لابد أن يقوم الميكروبيوم بتنظيم معدل نموه وتنوعه بناءً على توافر العناصر الغذائية وكثافة أعداده.
كيف يتأثر النظام الميكروبي بالتحكم في المدخول الغذائي؟
اكتشفت الدراسات أن العلاقة بين الميكروبيوم المعويّ والنظام الغذائيّ تتأثر بتقييد السعرات الحرارية، خاصة عندما يكون مصحوبًا بفترات من الصيام المُتقطع. وخلال هذه الفترات، تتغير طريقة استخدام الجسم للطاقة تبعًا لنوعية الطعام وعدد الوجبات وتوقيتها, حيث تتغير الطاقة القابلة للاستقلاب في العائل استجابةً لتركيب الغذاء وعدد الوجبات.
كما أثبتت بعض الأبحاث مؤخرًا أن أنظمة الصيام المتقطع Intermittent fasting - IF خاصة عند دمجها مع تنظيم تناول البروتين على مدار اليوم protein pacing - P فعالة في فقدان الوزن وتحسين تكوين الجسم.
ومع ذلك، لا تزال العلاقة بين الميكروبيوم المعويّ وفقدان الوزن المُستحث بالصيام المتقطع وتنظيم البروتين غير مفهومة بشكل كامل. لذلك هدفت هذه الدراسة إلى اختبار ما إذا كان نظام الصيام المتقطع المصحوب بتنظيم توقيت تناول البروتين (IF-P diet) يؤثر إيجابيًّا على الميكروبيوم والميتابولوم (2) بشكل أكبر مقارنةً بنظام تقييد السعرات الحرارية التقليدي calorie restriction لدى الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة.
مقارنة نظام الصيام المتقطع المصحوب بتنظيم توقيت تناول البروتين ونظام تقييد السعرات الحرارية
في هذه الدراسة، أجرى الباحثون تجربة بحثية نُشرت نتائجها حديثًا في دورية Nature Communications لمقارنة تأثير نظامين غذائيين مُنخفضي السعرات الحرارية ومتشابهين في كمية الطاقة المُتناولة والمُستَهلكة أسبوعيًا. تم تطبيق ذلك على شكل تجربة سريرية عشوائية استمرت لمدة ثمانية أسابيع وتضمنت 41 فردًا يعانون من زيادة الوزن أو السمنة. انقسم الأفراد المشاركين في التجربة إلى مجموعتين: مجموعة نظام الصيام المتقطع مع تنظيم تناول البروتين (IF-P)، ومجموعة نظام تقييد السعرات الحرارية المستمر (CR)، وقام الباحثون بقياس عدة مؤشرات قبل التدخل الغذائي وبعده، مثل المؤشرات القلبية الأيضية، ووزن الجسم، وتركيبه، وغيرها من المؤشرات.
أيهما أفضل؟
أظهرت نتائج هذه الدراسة أنه مُقارنةً بنظام تقييد السعرات الحرارية، استطاع نظام الصيام المتقطع المصحوب بتنظيم تناول البروتين تحسين أعراض الجهاز الهضمي، وإحداث تغيرات ملحوظة في تركيب الميكروبيوم المعويّ، وتوسيع نطاقه ليشمل بعض العائلات والأجناس الميكروبيّة المُرتبطة بملامح أيضيّة صحية. بالإضافة إلى ذلك، نتج عن نظام الصيام المتقطع المصحوب بتنظيم تناول البروتين زيادة كبيرة في بعض السيتوكينات المُرتبطة بعدة وظائف مثل تحلل الدهون، وفقدان الوزن، والالتهاب، والاستجابة المناعيّة.
ماذا بعد؟
تُسلِّط هذه النتائج الضوء على التأثير المختلف للصيام المتقطع المصحوب بتنظيم تناول البروتين على التمثيل الغذائيّ وصحة الميكروبيوم المعويّ، مقارنةً بنظام تقييد السعرات الحراريّة التقليديّ. كما تشير إلى أن استجابة الجسم لفقدان الوزن قد تختلف باختلاف الميكروبيوم المعويّ لكل فرد. ورغم النتائج الواعدة لهذه الدراسة، يؤكد الباحثون على ضرورة إجراء دراسات أكبر ولفترات أطول لفهم العلاقة المُعقَدة بين الصيام المتقطع والميكروبيوم المعويّ والتمثيل الغذائي، تمهيدًا لتطوير استراتيجيات غذائيّة مُخصَّصة لتحسين الصحة الأيضيّة وإدارة السمنة.
على الهامش
(1) الميكروبيوم المعويّ: هو مجموعة الكائنات الحية الدقيقة، منها البكتيريا، والفطريات، والخميرة، التي تعيش في الجهاز الهضمي للكائن الحي (العائل)، وتلعب دورًا مهمًا في صحة الجهاز الهضميّ وصحة العائل بشكل عام.
(2) الميتابولوم: هو المجموعة الكاملة من المستقلبات (مواد كيميائية ذات جزيئات صغيرة) الموجودة في الكائن الحي في وقت مُحدد، والتي تُمثل النواتج النهائيّة للعمليات الكيميائيّة الحيويّة داخل الجسم.