
يُعَد السرطان من أكثر الأمراض تعقيدًا وإثارة لاهتمام الباحثين في العصر الحديث، إذ ما يزال فهم العوامل التي تؤدي إلى ظهوره وتطوره أحد أكبر التحديات العلمية. فبينما ركزت الأبحاث السابقة على دراسة الجينات والطفرات الوراثية المرتبطة بالسرطان، يتجه العلم مؤخرًا ليكون أكثر شمولًا عن طريق دراسة البروتينات أيضًا بالإضافة إلى الجينات.
فالبروتينات ليست مجرد ناتج نهائي لعمل الجينات، بل هي الفاعل الحيوي الذي ينفذ عمليات النمو والانقسام والإصلاح داخل الخلايا. ومن ثَمَّ، فإن أي اضطراب في مستوياتها أو وظيفتها قد يعكس تغيرات بيولوجية مبكرة تسبق ظهور الورم بسنوات، ما يجعل دراستها مفتاحًا لفهم التحولات الخفية التي تسبق ظهور الورم.
السؤال: ما البروتينات التي يمكن أن ترتبط بخطر الإصابة بالسرطان؟
في هذه الدراسة الحديثة، سعى الباحثون لمعرفة ما إذا كان هناك علاقة قابلة للقياس بين مستويات بعض البروتينات في الدم وبين خطر الإصابة بالسرطان قبل تشخيصه سريريًا، وما إذا كانت تحمل هذه البروتينات دلائل سببية أم أنها مجرد إشارات مرافقة للمرض.
المنهجية: تحليل طويل المدى لعينات الدم والبيانات الجينية
اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات أكثر من 44 ألف شخص من المشاركين في البنك الحيوي البريطاني UK Biobank1، حيث تم قياس تركيز 1463 بروتينًا في عينات دم أُخذت في بداية المتابعة، ثم رُبطت هذه البيانات بسجلات تشخيص أنواع عديدة من السرطان على مدى فترة متابعة بلغ متوسطها نحو 12 عامًا.
إلى جانب التحليل الإحصائي الرصدي التقليدي، استخدم الباحثون تقنيات حديثة من علم الجينوم، إذ بحثوا عن متغيرات جينية قريبة من الجينات المشفرة للبروتينات، تُعرف بـاسم مواضع الصفات الكمية البروتينية القريبة cis-pQTLs، والتي تؤثر في مستويات البروتينات. بالإضافة إلى ذلك، استخدموا ما يُعرف بالدرجات الجينية الشاملة المرتبة بالبروتينات exGS، والتي تلخص التأثير المشترك لعدد كبير من المتغيرات الجينية في الأجزاء المشفِّرة من الجينوم على مستوى كل بروتين في الدم.
وبهذا الدمج بين المنهج الرصدي والتحليل الجيني، حاول الفريق تجاوز العقبات التقليدية في علم الأوبئة مثل عوامل التداخل والارتباك confounding factors2. كما استخدموا أسلوب التحليل الوراثي السببي Mendelian Randomization3 للوصول إلى أدلة أقوى حول الدور السببي لهذه البروتينات في نشأة السرطان.
371 بروتين يرتبطون بـ 19 نوعًا من السرطان
كشفت نتائج الدراسة عن مجموعة من الارتباطات الدقيقة والمثيرة للاهتمام بين مستويات البروتينات في الدم وخطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان. فمن بين 1463 بروتينًا تمت دراستها، تبيّن أن 371 بروتين أظهرت علاقة إحصائية واضحة مع خطر الإصابة بنوع واحد على الأقل من 19 نوعًا من السرطان التي شملها التحليل.
أبرز ما توصل إليه الباحثون أن بعض البروتينات يمكن أن تعمل كـمؤشرات إنذار مبكر، إذ رُصدت تغيرات في مستوياتها قبل أكثر من سبع سنوات من تشخيص السرطان سريريًا. وهذا يشير إلى أن الجسم قد يُظهر إشارات بيولوجية مبكرة يمكن التقاطها عبر تحليل دم، قبل أن تظهر أعراض المرض.
على سبيل المثال، لوحظ أن بروتينات مرتبطة بالالتهاب وتنظيم الجهاز المناعي مثل CD74 وTNFRSF1B، كانت مرتفعة لدى الأشخاص الذين أُصيبوا لاحقًا بسرطان اللمفومة اللاهودجكينية.
في النهاية، أكدت الدراسة أن الدم يحمل سجلًا مبكرًا لمخاطرنا الصحية المستقبلية، وأن قراءة هذا السجل عبر تحليل البروتينات قد تكون أحد المفاتيح الكبرى في الانتقال من الطب العلاجي إلى الطب الوقائي القائم على التنبؤ بالمخاطر والتدخل المبكر.
على الهامش: