
يُعتَبر سرطان الظهارة البولية، والذي يتمركز بشكل أساسي في المثانة، من الأورام الخبيثة الشائعة لدى النساء، ويحتل المرتبة الرابعة من حيث الشيوع في الرجال.
عند التشخيص، يُصنف أكثر من 75% من المرضى على أنهم مصابون بسرطان مثانة غير غازٍ للعضلات NMIBC. والذي يُمكِن علاجه بنجاح باستخدام العلاج الجراحي الموضعي والمُتابعة الدورية. في المقابل، يُشخص نحو 25% من المرضى بسرطان مثانة غازٍ للعضلات MIBC. والذي عادةً ما يتطلب علاجًا مُكثفًا كاستئصال المثانة، أو العلاج الإشعاعي، أو العلاج التلطيفي والمُسكِّن.
على الرغم من التقدم الكبير في فهم هذا المرض وتطوير استراتيجيات علاجه، ما تزال مُعدَّلات النجاة ضعيفة في حالات سرطان المثانة المُتقدِّم موضعيًا، والنقيلي. ومع ذلك، ساعدت التطورات العلاجية الحديثة مثل العلاجات الموجهة والمناعية في رفع الآمال بإمكانية تحسين نتائج المرضى في المستقبل القريب.
طفرات جين FGFR3 وسرطان المثانة
تُعد الطفرات المُمرضة المُنشِّطة في جين FGFR3 شائعة في سرطانات المثانة غير الغازية للعضلات، إلا أنها تظهر أيضًا في نسبة تُقدر بنحو 10 – 15 % من حالات سرطان المثانة الغازي للعضلات والنقيلي. لذلك، فإن الاستهداف الانتقائي لهذه الطفرات باستخدام مثبطات إنزيمات التيروزين كاينيز (2) تُمثِّل علاجًا مُعتمَدًا لسرطان المثانة النقيلي، ويتطلب إجراء اختبارات للكشف عن الطفرات في جين FGFR3. حديثًا، تم اعتماد دواء إردافيتينيب Erdafitinib، وهو مثبط إنزيمات التيروزين كاينيز الذي يستهدف مسار الإشارات الحيوية المرتبطة بمستقبلات FGFR، ويُمثِّل أول علاج مُستهدف لسرطان الظهارة البولية النقيلي الحامل لطفرات FGFR.
دراسة طفرات FGFR3 باستخدام شرائح H&E الروتينية
تكمن المُعضلة في الاختبارات التشخيصية الحالية، مثل تفاعل البلمرة المُتسلسل PCR أو تسلسل الجيل التالي NGS، في أنها باهظة الثمن وتحتاح إلى وقت طويل لإصدار النتائج، كما تتطلب جودة عالية من الأنسجة. لذلك، من الهام تطوير أدوات تشخيص أولي اقتصادية وسريعة، يمكن تطبيقها بسهولة في الممارسة السريرية.
في دراسة حديثة منشورة في دورية Nature، اعتمدت مجموعة من الباحثين على التطوير والتحقق من فاعلية نموذج قائم على التعلم العميق قادر على الكشف عن طفرات FGFR3 حيث يستخدام النموذج صور رقمية لشرائح الفحص النسيجي الروتيني التي تٌحضَّر أثناء التشخيص لكل مريض والمصبوغة بصبغة الهيماتوكسيلين والأيوسين (H&E) (3).
كيف يمكن تطوير الاختبارات الحالية لتشخيص سرطان المثانة؟
تضمنت هذه الدراسة حوالي 1222 حالة لتُمثِّل عملية تحقق واسعة النطاق لنموذج الفحص الأولي لطفرات FGFR3 في مرضى سرطان المثانة النقيلي وسرطان المثانة الغازي للعضلات. وأوضحت هذه الدراسة أن شرائح H&E تحتوي على معلومات كافية للتنبؤ بطفرات FGFR3 في سرطان الظهارة البولية الغازي للعضلات والنقيلي، مما يُمهد الطريق لتطوير أدوات تشخيصية للكشف عن هذا النوع من الطفرات.
وجد الباحثون أن نموذجهم نجح في تحقيق نسبة حساسية تجاوزت 93% في حالات سرطان المثانة المتقدم والنقيلي. كما عمل على تقليل الاختبارات الجزيئية المطلوبة بمتوسط 40%، وبالتالي يفتح الباب أمام تقديم أداة فحص أولي سريعة واقتصادية لتحديد المرضى الأكثر احتمالًا للاستفادة من العلاج المُوجه لطفرات جين FGFR3.
ماذا بعد؟
على الرغم من أن نتائج هذه الدراسة مُشجعة، فإنه لا بد من إجراء دراسة تحقق واسعة النطاق لضمان موثوقية النموذج في البيئات السريرية، تعقبها دراسة مُعايرة لتحديد أفضل حدود تشغيل للنموذج، خاصةً لدى المرضى الذين تمت معالجتهم بمثبطات FGFR3، مما يسمح بربط نتائج التنبؤ بالاستجابة العلاجية. كما توجد حاجة للمزيد من الدراسات لاستكشاف إمكانية التنبؤ بالاندماجات الجينية في FGFR3 باستخدام شرائح H&E.
على الهامش
(1) جين FGFR3: يُمثل الشفرة الوراثية لمستقبل عامل نمو الخلايا الليفية 3، وهو بروتين سطحي ينظم نمو الخلايا، وتمايزها، وبقائها.
(2) إنزيمات التيروزين كاينيز Tyrosine Kinases: هي عائلة من الإنزيمات التي تحُفِّز عملية الفسفرة في البروتينات المستهدفة، وتلعب دورًا محوريًا في التواصل الخلوي الطبيعي والحفاظ على التوازن الداخلي.
(3) شرائح H&E: هي شرائح تُستخدَم فيها صبغة الهيماتوكسيلين والأيوسين للتشخيص الروتيني، ويُفضِّل أخصائيو علم الأمراض استخدامها لفحص تفاصيل بنية الخلايا والأنسجة لأنها توضح نطاق واسع من خصائص السيتوبلازم، والنواة، والنسيج خارج الخلية.