
تتكون النكهة الغنية والمميزة للشوكولاتة عبر تخمير حبوب الكاكاو، وهي عملية تتداخل فيها عوامل حيويّة، مثل البكتيريا والفطريات، مع عوامل غير حيويّة، مثل درجة الحرارة ودرجة الحموضة. وعلى خلاف الأغذية المخمّرة الأخرى مثل الجبن والنبيذ، التي يعتمد إنتاجها على إضافة مجتمعات ميكروبية محددة وتحت إشراف بشري دقيق، فإنّ عملية تخمير حبوب الكاكاو تعتمد على مجتمعات ميكروبية تتكوّن تلقائيًا من البيئة المحيطة في المزارع، دون تدخل مباشر من الإنسان، مما ينتج عنه تفاوت في نكهة وجودة الشوكولاتة بحسب المناطق والظروف البيئية.
التحدي: من تخمر عشوائي إلى صناعة دقيقة
على الرغم من استخدام أساليب مختلفة لتحليل المجتمعات الميكروبية في حبوب الكاكاو المختمرة، إلا أن فهمنا لكيفية تشكل هذه المجتمعات خلال عملية التخمير لا يزال محدودًا. ونتيجةً لذلك، فنحن لا نعلم بدقة تأثير العوامل الحيويّة وغير الحيويّة على نتائج التخمير والنكهة النهائية للشوكولاتة. لذا، فقد قام بعض الباحثين بإجراء بحثٍ لدراسة العوامل الحيويّة وغير الحيويّة التي تتحكم في تكوين النكهة، بهدف ضبطها وإنتاج شوكولاتة عالية الجودة في كل مرة.
رحلة الكاكاو من المزرعة إلى المختبر
درس الباحثون حبوب الكاكاو خلال موسمي حصاد في ثلاث مزارع بمناطق مختلفة في كولومبيا: سانتاندر، وهويلا، وأنتيوكيا. بدايةً تأكدوا من أن أنواع الكاكاو في المزارع الثلاث تمتلك خلفية وراثية متقاربة، مما يعني أن الاختلاف في نكهة الشوكولاتة لا يعود إلى التنوع الجيني للنبات، بل إلى عوامل التخمير والبيئة المحيطة.
وبعد ذلك جمع الباحثون عينات يومية من حبوب الكاكاو أثناء التخمير لدراسة المجتمعات الميكروبية النشطة فيها، إضافةً إلى عينات من البيئة المحيطة، بما في ذلك أوراق الكاكاو، وأيدي وأدوات العمال، والتربة، وذباب الفاكهة المحيط بمواقع التخمير. ثم استخلصوا الحمض النووي للميكروبات الموجودة، وحللوا التسلسل الميتاجينومي[1] الكامل باستخدام تقنية النانوبور [2]، حتى يتمكنوا من تحليل التنوع الجيني والوظيفي للمجتمعات الميكروبية داخل الحبوب وحولها. كما درسوا العلاقة بين درجة الحرارة والحموضة ولون حبوب الكاكاو لتتبع عملية التخمير.
وبعد التخمر، جفف الباحثون حبوب الكاكاو ثم فحصوا جودتها وسلامتها من العيوب، مثل نقص أو إفراط التخمر، أو التكسر، أو نمو العفن. وبعد ذلك، قاموا بتحميصها وطحنها لإنتاج معجون الكاكاو الذي خضع لتقييم حسّي أجراه مختصون لتحديد جودة النكهة.
ما السر وراء النكهة الغنية؟
لاحظ الباحثون أن العوامل غير الحيويّة مثل الحرارة والحموضة، تتغير معًا بشكلٍ متوافق يعكس تقدم عملية التخمير. ففي اللب الخارجي لحبة الكاكاو ترتفع الحرارة بعد مرور نحو 24 ساعة نتيجة للنشاط الميكروبي. بينما ترتفع الحموضة في اللب أولاً، PH أقل من 4، نتيجة للتغيرات الكيميائيّة التي تحدث داخل اللب أثناء التخمير، ثم تنخفض مع تقدم التفاعلات الكيميائيّة. أما الحموضة داخل الفلقة، فتسلك مسارًا مغايرًا؛ إذ تزيد مع الوقت، مما يدل على أن اللب والفلقة لهما تفاعلاته الخاصة.
أما العوامل الحيويّة المتمثلة في مجتمعات البكتيريا والفطريات، فتتبدّل بشكل واضح مع تقدم عملية التخمير في أداء جماعيّ متناسق. ففي اليوم الأول تزداد بعض أنواع البكتيريا مثل Erwiniaceae الإروينيات، بينما تتراجع Enterobacteriaceae المعويات. وبعد يومين، تسيطر Acetobacteraceae العصويات الخلّية على عملية التخمير حتى نهايتها. وكذلك الفطريات؛ إذ تزدهر Saccharomycetaceae الخمائر السكرية، بينما تتراجع Nectriaceae النكتريّات و Debaryomycetaceae الديباريوميسيتات في خلال أول 24 ساعة.
تتضافر هذه العوامل الحيويّة وغير الحيويّة لتخلق توازنًا دقيقًا في عملية التخمير. وقد أظهرت التجارب أن اختلاف البيئة المحلية بين ثلاث مناطق كولومبية يؤثر في نوع الميكروبات ونشاطها، مما يؤدي إلى تباين في النكهات الناتجة. حيث كان التوازن واضحًا في مزرعتي سانتاندر وهويلا، اللتان تنتجان شوكولاتة ذات جودة عالية ونكهة راقية، مقارنةً بمزرعة أنتيوكيا التي افتقدت هذا التناغم في عوامل تخمر الكاكاو، فأنتجت شوكولاتة ذات جودة أقل ونكهة أقرب إلى الأنواع التجارية.
أخيرًا، وبناءً على النتائج السابقة، نجح الباحثون في تكوين مجتمع ميكروبي مصغّر يحاكي عملية تخمير الكاكاو الطبيعية، داخل ظروف مخبرية مضبوطة. وأظهرت التحاليل والتقييمات الحسية أن الشوكولاتة الناتجة تمتعت بنكهات غنية ومعقدة شبيهة بتلك الناتجة من التخمر الطبيعيّ، وذات جودة عالية كتلك المنتجة في مزرعتي سانتاندر وهويلا.
على الهامش
[1] التسلسل الميتاجينومي: تحليل كامل للحمض النووي لجميع الميكروبات الموجودة في العينة.
[2] تقنية النانوبور: تقنية تقوم بقراءة تسلسل الحمض النووي مباشرة عبر مسام نانوية دقيقة جدًا.