المختبر الأخير في غزة… معركة ضد البكتيريا الخارقة
23 مارس 2026

أن تكون مصابًا في غزة، يعني أنك قد تصل إلى المختبر الوحيد الذي ما يزال يعمل جزئيًّا. لتُفاجأ بأن معظم المضادات الحيوية المتوفرة لا تنفع مع عدوى جروحك، وأن مضادات "الملاذ الأخير" بدأت تفقد فاعليتها أيضًا.

هذا ما كشف عنه مختبر الميكروبيولوجيا في مستشفى الأهلي العربي (المعمداني)، والذي ظل يعتمد على المولدات التي تعمل بالديزل والبطاريات الاحتياطيّة، ليصبح شاهدًا على كارثة صحية تُهدد قطاع غزة ومحيطه الإقليمي. خلال الغزو العسكري الإسرائيلي الذي بدأ في أكتوبر ٢٠٢٣، تعرض النظام الصحيّ في القطاع لتدمير شامل، ووجد الأطباء أنفسهم أمام آلاف الإصابات البالغة، في ظل بنية تحتية منهارة ونقص حاد في الأدوية، مما أدى إلى تفشي أنواع من البكتيريا قد لا يستطيع الطب محاربتها.

جروح الحرب تتحول إلى أرض خصبة للبكتيريا

راجع الباحثون جميع العينات التي وصلت إلى مختبر المستشفى بين نوفمبر 2023 وأغسطس 2024، وبلغ عددها 1317 عينة: معظمها من جروح الحرب (67,3%)، تليها عينات بول (28,2%)، ثم عينات أخرى (4,5%). قام الباحثون بزراعة العينات على أوساط غذائية خاصة (أطباق أغار الدم وماكونكي)، وتحديد أنواع البكتيريا المعزولة باستخدام الفحص المجهري والاختبارات الكيميائية. بعد ذلك، تم اختبار حساسية البكتيريا ضد 24 نوعًا من المضادات الحيوية باستخدام اختبار انتشار الأقراص (طريقة كيربي باور)، والتي تقيس مدى تأثر البكتيريا بكل نوع. ولمعرفة مدى خطورة الوضع، تم حساب مؤشر مقاومة المضادات MAR index]1] الذي يوضح نسبة المضادات التي قاومتها البكتيريا، ويدل ارتفاعه على وجود ضغط شديد أدى إلى تطور مقاومة واسعة.

ما الذي كشفته العينات؟

أظهرت النتائج أن 74.6% من عينات الجروح ملوثة بالبكتيريا، ثلثان منها (66.9%) احتوت على أنواعٍ مقاومة لعدة مضادات، أي أن معظم العلاجات المتوفرة لم تعد مجدية معها. تصدر المشهد الزائفة الزنجارية Pseudomonas aeruginosa والتي ظهرت في أكثر من ثلث العينات، وتلتها المكورات العنقودية الذهبية Staphylococcus aureus، والتي ظهرت في 22,4% من العينات، والبكتيريا المعوية الكليبسيلا Klebsiella spp في 18,5% والإيشريكية القولونية Escherichia coli  في 17% من العينات. وهذه الأنواع الأربعة تشتهر عادةً بمستويات عالية من مقاومة المضادات الحيوية. 

وبالفعل، وجد الباحثون أن أكثر من 86% من البكتيريا المعزولة لديها مستوى عالٍ من المقاومة بمتوسط مؤشر مقاومة المضادات 0,6، وثلثيها (66.9%) كانت "متعددة المقاومة"[2]. والأخطر أن أكثر من 90% من البكتيريا المعوية كانت مقاومة للأموكسيسيلين–كلافولانيت والسيفالوسبورينات، وحوالي 80% من البكتيريا أظهرت مقاومة مرتفعة للسيفترياكسون والسيفتازيديم، ما يشير إلى الانتشار الواسع للبكتيريا المنتجة لإنزيمات ESBL ]3]. كما أظهرت بكتيريا الكليبسيلا مقاومة لدواء ميروبينيم بنسبة 63.8%، وهو من أقوى المضادات المتاحة. كما أظهرت الزائفة الزنجارية مقاومة للكوليستين (16%)، والذي يُصنف كملاذٍ أخير، كذلك وصلت مقاومة المكورات العنقودية الذهبية للفانكومايسين وهو أحد خيارات العلاج الأخيرة إلى 53.7%.

أزمة قديمة تفاقمت

أشار الباحثون إلى أن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية كانت أزمة قائمة في غزة منذ سنوات بسبب الحصار الذي أعاق دخول الأدوية والمستلزمات الطبية. لكن الحرب الأخيرة ضاعفت حجم الكارثة عبر تدمير البنية التحتية الصحية وزيادة النقص الحاد في المضادات الحيوية، مما هيأ بيئة مثالية لانتشار البكتيريا المقاومة بشكل متسارع. 

من كارثة صحية إلى إنذار عالمي

أخيرًا، حذر الباحثون من أن استمرار انهيار النظام الصحي في غزة دون توفير حماية عاجلة للمستشفيات وخطوط إمداد المضادات الحيوية والمختبرات العاملة، سيؤدي إلى انتشار البكتيريا المقاومة خارج حدود القطاع، مما يشكل تهديدًا صحيًا إقليميًّا وعالميًّا.

على الهامش

1-  مؤشر مقاومة المضادات (MAR index): يتم حسابه لكل نوع بكتيريا معزولة، ويمثل عدد المضادات الحيوية التي قاومتها البكتيريا مقسومًا على مجموع عدد المضادات الحيوية التي تم تجربتها.

2-   متعددة المقاومة: هو مصطلح يعني أن البكتيريا طورت مقاومة ضد ثلاثة أو أكثر من فئات مختلفة من المضادات الحيوية التي تستخدم عادةً لمكافحتها.

3-   إنزيمات ESBL: هذا الاسم اختصار "لإنزيمات بيتا-لاكتاماز واسعة الطيف"، وهي مجموعة من البروتينات التي تنتجها بعض البكتيريا، والتي تمكنها من تدمير مجموعة واسعة من المضادات الحيوية تشمل البنسلينات والسيفالوسبورينات، مما يجعلها غير فعالة.

اقتراح ومراجعة علمية
د/ دعاء مجاهد
جامعة هارفارد
تدقيق ومراجعة لغوية
د/ ندى أحمد
جامعة الإسكندرية
د/ أروى أحمد أبو جبل
جامعة أوكسفورد Oxford
علا نصر زيادة
جامعة القاهرة