
حول العالم، يصوم أكثر من مليار مسلم شهر رمضان سنويًا، ويُعد صيام رمضان أحد أشكال الصيام المتقطع، إذ يمتنع فيه الشخص عن الطعام، والشراب، وتناول الأدوية، من الفجر حتى غروب الشمس، وقد تصل مدته إلى 22 ساعة يوميًا في بعض المناطق، ويستمر عادةً 29 أو 30 يومًا.
من ناحية أخرى، يُعد القصور الكظري الثانوي الشكل الأكثر شيوعًا من قصور الغدة الكظرية، ويحدث عندما تعجز الغدتان الكظريتان عن إنتاج كمية كافية من هرمون الكورتيزول بسبب عجز الغدة النخامية عن إفراز هرمون ACTH المحفز لإفراز الكورتيزول بالقدر الكافي؛ ويعتمد المرضى على العلاج التعويضي بالهيدروكورتيزون لتجنب المضاعفات.
أظهرت بعض الدراسات أن صيام هؤلاء المرضى في شهر رمضان يرتبط بحدوث مضاعفات، مثل: الإرهاق الشديد، والدوخة، والصداع، وأزمة كظرية محتملة في حال نقص الجرعة.
السؤال: هل يؤثر صيام رمضان على حياة مرضى القصور الكظري الثانوي؟
اختلفت آراء الأطباء حول إمكانية صيام هؤلاء المرضى، حيث يُنصح بعضهم بعدم الصيام بينما يرى آخرون إمكانية الصيام مع اتخاذ احتياطات طبية خاصة. وبات السؤال، ما أثر صيام رمضان، بعد تطبيق برنامج تثقيف علاجي، على جودة حياة المرضى، مقارنة بمجموعة من الصائمين الأصحاء؟
المنهجية: متابعة مرضى القصور الكظري الثانوي قبل رمضان وخلاله بعد تقديم إرشادات للصيام الآمن
أُجريت الدراسة في قسم أمراض الغدد الصماء بمستشفى الرابطة الجامعيّ التونسيّ خلال شهري مارس وأبريل 2023. وشملت 50 مريضًا يعانون القصور الكظري الثانوي، كانت أعمارهم 18 عامًا أو أكثر، ويتلقون علاجًا تعويضيًّا منذ سنة على الأقل، وكانوا يرغبون في الصيام. كما شملت 100 شخصٍ من الأصحاء، مماثلين لهم في العمر، والجنس، ومؤشر كتلة الجسم BMI. واستُبعدت الحالات التي تعاني أمراضًا خطيرة أو مزمنة قد تؤثر في النتائج.
في بداية الدراسة، جُمعت البيانات الصحية للمرضى، ثم تلقّوا جلسة توعية صحية حول الصيام الآمن، شملت شرح طبيعة المرض، وأهمية تنظيم جرعات الدواء؛ بحيث يتناولون الجرعة الأساسية عند السحور، والثانية عند الإفطار، إضافةً إلى نصائح غذائيّة، مثل: تأخير وجبة السحور وجعلها متوازنة، وشرب كمية كافية من السوائل، وتجنب المجهود الشديد والحرارة المرتفعة أثناء الصيام، مع توضيح الحالات التي تستوجب قطع الصيام.
ولقياس جودة الحياة، استخدم الباحثون استبيانًا يتضمن 30 سؤالاً حول الشعور بالتعب، والحالة النفسيّة، وأعراض المرض، وجوانب أخرى مثل النوم. أجرى الباحثون التقييم قبل رمضان، ثم خلال الأسبوع الثالث من الصيام. كما طُلب من الجميع تسجيل عدد أيام الصيام، والأيام التي أفطروا فيها، وأي أعراض أو مشكلات حدثت أثناء الشهر.
تحسن جودة حياة المرضى خلال الصيام
بلغ متوسط عدد أيام الصيام لدى المرضى 26 يومًا مقابل 29 يومًا لدى الأصحاء، وصام 62% من المرضى الشهر كاملًا في مقابل 97% من الأصحاء. لم تُسجل أي حالة أزمة كظرية خطيرة. لكن الأعراض كانت أكثر شيوعًا لدى 76% من المرضى مقابل 47% من الأصحاء، وأبرزها الصداع، والإرهاق الشديد، والدوخة عند الوقوف. كما اضطر 32% من المرضى إلى قطع الصيام مؤقتًا بسبب الأعراض، مقابل 3% فقط من الأصحاء.
قبل رمضان، لم يكن هناك فرق واضح في الدرجة الإجمالية لجودة الحياة بين المرضى والأصحاء، رغم شكوى المرضى من الأعراض المرتبطة بمرضهم، مثل: التعب، وآلام العضلات، والتعرق الزائد، والقلق على صحتهم، وكذلك شعورهم بسهولة إصابتهم بالأمراض، واحتياجهم إلى وقتٍ أطول للتعافي. كما كانت جودة الحياة أفضل لدى الرجال مقارنة بالنساء، وارتبطت بمستوى الكورتيزول عند التشخيص.
ولكن خلال الأسبوع الثالث من رمضان، تحسنت جودة الحياة لدى المرضى بنسبة 8.2%، مع تحسن في الشعور بالتعب، والحالة النفسية، وأعراض المرض. وشعر المرضى بنشاط أكبر، وهدوء نفسي أفضل، وسعادة ورضا أعلى مقارنة بفترة ما قبل رمضان، بل تحسنت جودة الحياة لدى 70% من المرضى، بينما تراجعت لدى 26% منهم، ولم تتغير لدى 4%. كما لم يرتبط هذا التحسن بالعمر، أو مدة المرض، أو جرعة الدواء، أو عدد أيام الصيام.
بوجه عام، أظهرت الدراسة أن صيام رمضان، مع التثقيف الصحيّ المناسب وتنظيم العلاج، لم يؤدِّ إلى تدهور جودة الحياة لدى مرضى القصور الكظري الثانوي، بل ارتبط بتحسن واضح في معظم الجوانب. وتؤكد النتائج أهمية التوعية الطبية في تمكين المرضى من الصيام بأمان وتحسين شعورهم العام خلال الشهر.
على الهامش:
مؤشر كتلة الجسم BMI: معادلة لتقدير ما إذا كان وزن الشخص مناسبًا لطوله، كمؤشر تقريبيّ على زيادة الوزن أو السمنة. وتُقدر بوزن الجسم بالكجم على مربع طوله بالمتر.