
تلعب أسماك القرش أدوارًا مهمة في تنظيم واستقرار العديد من النُظُم البيئيّة البحرية، وذلك بصفتها مُفترسات عُليا. لكننا لا نعرف الكثير عن مُعدَّل تطورها وقدرتها على التكيف، خاصةً مع تزايد الضغوط البيئيّة المُتمثِّلة في الصيد الجائر وفقدان مسكنها الطبيعيّ.
ما يزيد الأمر سوءًا هو الخصائص القاسية لدورة حياة معظم أنواع أسماك القرش، حيث تتميز القروش الحالية ببطء مُعدَّل النمو، وتأخر النضج الجنسيّ، وقلة أعداد نسلها. كما تمتلك أحد أطول فترات الحمل [1] في مملكة الحيوان، وتُعتبر من أكثر الأمهات اهتمامًا بصغارها، مما ينتج عنه بطء نمو أعدادها، وضعف قدرتها على التعافي بعد انخفاض أعدادها.
ما دلالة انخفاض مُعدَّل الطفرات في أسماك القرش؟
إن الطفرات هي الركائز الجوهرية للتطور، حيث تُولِّد تنوعًا في الكائنات الحية يسمح بتطورها. ويُعَد مُعدَّل الطفرات هو المعيار الأساسي للعديد من الحسابات والنمذجة التنبؤية [4] في مجالات علم البيئة والتطور، وعلم الوراثة، وعلم الجينوم. أشارت دراسات سابقة إلى أن مُعدَّلات إصابة أسماك القرش بالسرطان منخفضة بشكل استثنائي، وقد ارتبط ذلك بانخفاض مُعدَّل طفراتها النووية.
قدَّمت دراسة حديثة تقريرًا عن مُعدَّلات الطفرات في 68 نوعًا من الفقاريات موضحة أن مُعدَّلات الطفرات المُترادفة [2] في الأسماك الغضروفيّة أقل من مثيلاتها في الأسماك العظميّة، مما يشير إلى انخفاض مُعدَّل الطفرات الداخليّة. كما أشارت دراسة سابقة مبنيّة على تسلسل الحمض النووي للميتوكوندريا أن أسماك القرش قد تكون سلالة ذات ساعة جزيئيّة [3] بطيئة، والذي إذا ثبتت صحته، سيؤثر على فهمنا لتطور هذه المجموعة الفقارية، وبيئتها، والجينوم الخاص بها.
دراسة جينوم أسماك القرش الكتفية Hemiscyllium ocellatum
لذلك، عمل فريقٌ من الباحثين على توليد جينوم مرجعي عالي الجودة لأسماك القرش الكتفية، وهو نوع من أسماك القرش الصغيرة التي تعيش في الشعاب المرجانية بمياه شمال شرق أستراليا، والذي يُعَد أكثر أنواع أسماك القرش من جنس Hemiscyllium دراسةً وبحثًا.
كما قاموا بإعادة ترتيب تسلسل الجينوم الكامل للآباء والسلالات التسعة المُعتَرَف بها حاليًا من هذه الأسماك لاكتشاف طفرات حديثة، بالإضافة إلى تقدير مُباشِر لمُعدَّل الطفرات في هذا النوع.
كيف يؤثر مُعدَّل تطور أسماك القرش على انخفاض مُعدَّل إصابتها بالسرطان؟
وجد الباحثون أن مُعدَّل الطفرات في أسماك القرش يبلغ حوالي سبعة من كل عشرة مليارات زوج من قواعد الحمض النووي في الجيل الواحد، والذي يُعتَبر أحد أقل مُعدَّلات الطفرات المُقدَّرة مُباشرةً في أي فرع من فروع الفقاريات.
يشير ذلك إلى أن هذه المجموعة الفقارية الرئيسيّة هي بالفعل سلالة بطيئة التطور. لذلك فإن أسماك القرش تُصاب بالسرطان كبقية الفقاريات ولكن بمعدل أقل من غيرها. كما أن مُعدَّل الطفرات المُنخَفِض لديها قد يُعيق قدرتها على استعادة تنوعها الجيني عند تعرضها لانخفاض شديد في عدد أفرادها.
ماذا بعد؟
إن تطوير بروتوكولات التكاثر والتزاوج في الأَسْرِ لأسماك القرش الكتفية في هذه الدراسة يُتيح تطوير هذا النوع كنموذج معملي عام لأبحاث أسماك القرش، كما يسمح بتقييم مُعدَّل الطفرات الوراثية لسلالة أسماك القرش. يمكن تفسير انخفاض مُعدَّل إصابة أسماك القرش بالسرطان ولو جزئيًا على الأقل. كما يسلط ذلك الضوء على ضرورة حماية تجمعات أسماك القرش، خاصةً في ظل الضغوط البيئية المتزايدة. فضعف قدرتها على إنتاج التنوع الوراثي قد يقلل من قدرتها على التعافي والتكيف مع التغيرات البيئيّة.
على الهامش
[1] عادةً ما تتراوح فترات الحمل في الأنواع المختلفة من القروش بين 11 - 24 شهرًا، وقد تصل في بعض الأنواع مثل القرش المتشمس والقرش المُزركش إلى أكثر من 3 سنوات (36 شهرًا).
[2] الطفرات المُترادفة: هي الطفرات التي تنتج عن استبدال نيوكليوتيدات في شريط الحمض النووي DNA دون أن ينتج عن ذلك تغيير الأحماض الأمينية في البروتين الناتج عنها.
[3] الساعة الجزيئية Molecular Clock: هي فرضية تنص على أن تسلسلات الحمض النووي والبروتينات تتطور بمُعدَّل ثابت نسبيًا مع الوقت وبين الكائنات الحية المُختلفة. تم صياغة المصطلح لوصف هذه الظاهرة من خلال مقارنة التغييرات التي تحدث في التسلسل بدقات الساعة المُنتظِمة، وتُعَد هذه الفرضية طريقة فعالة لتقدير الأُطر الزمنية التطورية.
[4] النمذجة التنبؤية: هي عملية يتم فيها استخدام خوارزميات إحصائية وتقنيات لغة الآلة لإنشاء نموذج رياضي لتحليل البيانات التاريخية والتنبؤ بأحداث مُستقبلية أو غير معروفة بُناءً على المدخلات من البيانات.