هل التكاثر الذاتي ممكن معمليًا؟
22 ديسمبر 2025

تُعد القدرة على التكاثر الذاتي1 Self-reproduction إحدى السمات الجوهرية التي تميز الكائنات الحية عن غيرها من النظم الطبيعيّة. فالحياة كما نعرفها اليوم قائمة على شبكة معقدة من التفاعلات البيوكيميائيّة التي تتحكم في انقسام الخلايا وإعادة إنتاجها، مما جعل السؤال عن إمكانية وجود بدائل غير حيويّة لهذا السلوك محل اهتمام علمي متزايد. 

السؤال: هل يمكن أن يحدث التكاثر الذاتي معمليًا؟

في دراسة حديثة، حاول فريق من الباحثين اختبار فرضية جريئة تتمثل في سؤال: هل يمكن إنشاء نظام كيميائي اصطناعي بالكامل قادر على النمو والتكاثر، دون الاعتماد على أي مكونات بيولوجية مثل البروتينات، أو الأحماض النووية؟ بصيغةٍ أخرى: هل يمكن بناء نموذج تقريبي للحياة البدائية قبل ظهور السلف المشترك لجميع الكائنات الحية، عبر تصميم خلايا اصطناعية من جزيئات غير حيوية تخضع لقوانين كيميائية فقط؟ 

المنهجية: الاعتماد على البلمرة المُحفزة بالضوء الأخضر2

للإجابة على هذا السؤال، اعتمد الباحثون على تفاعل يُعرف بـاسم البلمرة المُحفَّزة بالتجمع الذاتيPolymerization-Induced Self-Assembly3، والذي يسمح للجزيئات البسيطة بأن تتحول عند ظروف معينة إلى جزيئات أكثر تعقيدًا، ثم تعيد تنظيم نفسها في شكل حويصلات دقيقة تشبه الخلايا الأوليّة.

اعتمد التفاعل على مزيج مائي يحتوي على جزيئات بسيطة غير قادرة بطبيعتها على التجمع الذاتيّ. ولتوجيه التفاعل، أضيفت سلسلة بوليمر محبة للماء تتصل في نهايتها بجزيء صغير كاره للماء. كما استُخدمت مونومرات بسيطة مثل الأكريلونيتريل، أو هيدروكسي بروبيل ميثاكريلات HPMA، وهي مواد صغيرة قابلة للبلمرة. أما العنصر المحفّز للتفاعل فكان جزيئًا ضوئيًا يُعرف باسم Iniferter، والذي يتميز بقدرته على أداء ثلاثة أدوار في الوقت نفسه، وهي بدء التفاعل، ونقل السلسلة Chain Transfer، وإنهاء البلمرة. ولإمداد النظام بالطاقة، استُخدم الضوء الأخضر بطول موجي قدره 530 نانومتر.

في البداية كان الخليط متجانسًا تمامًا، لكن بمجرد تشغيل الضوء بدأ التفاعل. التحمت المونومرات بالسلاسل البوليمرية لتنتج جزيئات تُعرف بالأمفيفيلات، وهي جزيئات لها طرف محب للماء وآخر كاره له. وعندما تجاوز تركيزها مستوى محدد يُسمى التركيز الحرج للتجمع Critical Micelle Concentration، بدأت هذه الجزيئات في تكوين تجمعات صغيرة تُعرف بالميسيلات.

احتُجز جزء من الوسط المحيط داخل الميسيلات، ما جعل التفاعلات تستمر داخلها في ظروف مختلفة عن الخارج، ونتج عن ذلك اختلاف في الضغط الأسموزي بين الداخل والخارج. ومع استمرار البلمرة، أصبح الجزء الكاره للماء أطول، فبدأت الميسيلات تغير بنيتها تدريجيًا إلى أن تحولت إلى حويصلات عملاقة Giant Vesicles.

وتحت المجهر، لوحظ أن أعداد الحويصلات أخذت في الازدياد على نحو غير خطي. ولم يكن السبب مجرد تكوين حويصلات جديدة من الميسيلات، بل أيضًا نتيجة عملية تكاثر ذاتي، إذ أظهرت التجارب أن بعض الحويصلات القائمة بدأت تُطلق أبواغًا بوليمرية Spores صغيرة قادرة على النمو والتحول إلى حويصلات جديدة بمرور الوقت.

شكل من أشكال الحياة معمليًا، ولكن!

الأكثر إثارة أن هذه العملية لم تتوقف عند الجيل الأول من الحويصلات، بل استمرت لأجيال متعددة من الحويصلات. وبهذا، تمكن الباحثون من إثبات أن نظامًا كيميائيًا بسيطًا، دون أي مكونات بيولوجية، قادر بالفعل على إظهار سلوك يُشبه التكاثر الذاتي في الكائنات الحية. لكن تجدر الإشارة إلى أن النظام الاصطناعي المعملي هذا بعيد تمامًا عن التعقيد الموجود في الخلايا الحية، ولا يمكن مقارنته بـالأحماض النووية في الكائنات الحية.

على الهامش: 
  1. التكاثر الذاتي: قدرة نظام ما على إنتاج نسخ من نفسه دون تدخل خارجي مباشر، مثل انقسام الخلايا البكتيرية.
  2. الضوء الأخضر: نوع من الإشعاع المرئي بطول موجي يقارب 520–550 نانومتر. يتميز بأنه أقل طاقة من الأشعة فوق البنفسجية، وبالتالي لا يسبب تكسير الروابط الكيميائية أو تلف الجزيئات الحساسة.
  3. البلمرة المحفزة بالتجمع الذاتي: طريقة كيميائية تسمح بإنتاج جزيئات تتجمع ذاتيًا في هياكل منظمة.
اقتراح ومراجعة علمية
د/ أروى أبو جبل
جامعة أوكسفورد Oxford
تدقيق ومراجعة لغوية
أحمد صفوت
صحفي حر
د/ أروى أبو جبل
جامعة أوكسفورد Oxford
علا زيادة
جامعة القاهرة